تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
مخلوقاته الفقيرة ، ولهذا قال : [ 55 ]
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ
أي : أعطيناهم ، حيث نجيناهم من الشدة ، وخلصناهم ، من المشقة ،
فَتَمَتَّعُوا
في دنياكم قليلا
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
عاقبة كفركم . [ 56 ] يخبر تعالى ، عن جهل المشركين ، وظلمهم ، وافترائهم على اللّه الكذب ، وأنهم يجعلون لأصنامهم ، التي لا تعلم ، ولا تنفع ، ولا تضر - نصيبا مما رزقهم اللّه ، وأنعم به عليهم ، فاستعانوا برزقه على الشرك به ، وتقربوا به إلى أصنام منحوتة ، كما قال تعالى :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ
الآية ، وقال :
تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ
وقال :
آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ
فيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة . [ 57 ]
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ
حيث قالوا عن الملائكة ، العباد المقربين : إنهم بنات اللّه ،
وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ
أي : لأنفسهم الذكور ، حتى إنهم يكرهون البنات ، كراهة شديدة ، فكان أحدهم . [ 58 ]
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا
من الغم الذي أصابه
وَهُوَ كَظِيمٌ
أي : كاظم على الحزن والأسف ، إذا بشّر بأنثى ، وحتى إنه يفتضح عند أبناء جنسه ، ويتوارى منهم من سوء ما بشر به . ثم يعمل فكره ورأيه الفاسد ، فيما يصنع بتلك البنت التي بشر بها
أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ
أي : يتركها من غير قتل على إهانة وذل ؟
أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ
أي : يدفنها وهي حية ، وهو الوأد الذي ذم اللّه به المشركين ،
أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ
إذ وصفوا اللّه بما لا يليق بجلاله ، من نسبة الولد إليه . ثم لم يكفهم هذا ، حتى نسبوا له أردأ القسمين ، وهو : الإناث ، اللاتي يأنفون بأنفسهم عنها ، ويكرهونها ، فكيف ينسبونها للّه تعالى ؟ ! فبئس الحكم حكمهم . [ 60 ] ولما كان هذا من أمثال السوء ، التي نسبها إليه أعداؤه المشركون ، قال تعالى :
لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ
أي : المثل الناقص والعيب التام ،
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى
وهو كل صفة كمال ، وكل كمال في الوجود ، فاللّه أحق به ، من غير أن يستلزم ذلك نقصا بوجه من الوجوه ، وله المثل الأعلى في قلوب أوليائه ، وهو : التعظيم والإجلال ، والمحبة والإنابة والمعرفة .
وَهُوَ الْعَزِيزُ
الذي قهر جميع الأشياء ، وانقادت له المخلوقات بأسرها ،
الْحَكِيمُ
الذي يضع الأشياء مواضعها ، فلا يأمر ، ولا يفعل ، إلا ما يحمد عليه ، ويثنى على كماله فيه . [ 61 ] لما ذكر تعالى ، ما افتراه الظالمون عليه ، ذكر كمال حلمه وصبره فقال :
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ
من غير زيادة ولا نقص ،
ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ
أي : لأهلك المباشرين للمعصية وغيرهم ، من أنواع الدواب والحيوانات ، فإن شؤم المعاصي ، يهلك به الحرث والنسل .
وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ
عن تعجيل العقوبة عليهم إلى أجل مسمى ، وهو يوم القيامة
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
فليحذروا ، ما داموا في وقت الإمهال ، قبل أن يجيء الوقت الذي لا إمهال فيه . [ 62 ] يخبر تعالى أن المشركين
يَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ
من البنات ، ومن الأوصاف القبيحة ، وهو : الشرك ،