تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
بصرف شيء من العبادات إلى بعض المخلوقات ، التي هي عبيد للّه ، فكما أنهم يكرهون ، ولا يرضون أن يكون عبيدهم - وهم مخلوقون من جنسهم - شركاء لهم فيما رزقهم اللّه ، فكيف يجعلون له شركاء من عبيده ؟ ! !
وَ
هم - مع هذه الإساءة العظيمة -
تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى
أي : أن لهم الحالة الحسنة في الدنيا والآخرة ، فرد عليهم بقوله :
لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ
مقدمون إليها ، ماكثون فيها ، غير خارجين منها أبدا . بيّن تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، أنه ليس هو أول رسول كذّب فقال تعالى : [ 63 ]
تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ
رسلا يدعونهم إلى التوحيد ،
فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ
فكذبوا الرسل ، وزعموا أن ما هم عليه ، هو الحق المنجي من كل مكروه ، وأن ما دعت إليه الرسل ، فهو بخلاف ذلك ، فلما زين لهم الشيطان أعمالهم . صار
وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ
في الدنيا ، فأطاعوه ، واتبعوه ، وتولوه .
أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا
.
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
في الآخرة ، حيث تولوا ، عن ولاية الرحمن ، ورضوا بولاية الشيطان ، فاستحقوا لذلك ، عذاب الهوان . [ 64 ] يقول تعالى : وما أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن ، إلا لتبين للناس الحق ، فيما كان موضع اختلافهم ، من التوحيد ، والقدر ، وأحكام الأفعال وأحوال المعاد ، وليكون هداية تامة ، ورحمة عامة ، لقوم يؤمنون باللّه ، وبالكتاب الذي أنزله . [ 65 ] يذكر اللّه تعالى في هذه الآية نعمة من أعظم النعم ليعقلوا عن اللّه مواعظه وتذكيره ، فيستدلوا بذلك على أنه وحده المعبود ، الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده ، لأنه المنعم بإنزال المطر ، وإنبات جميع أصناف النبات ، وعلى أنه على كل شيء قدير ، وأن الذي أحيا الأرض بعد موتها ، قادر على إحياء الأموات ، وأن الذي نشر هذا الإحسان ، لذو رحمة واسعة ، وجود عظيم . [ 66 ] أي :
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ
التي سخرها اللّه لمنافعكم
لَعِبْرَةً
تستدلون بها على كمال قدرة اللّه ، وسعة إحسانه ، حيث أسقاكم من بطونها المشتملة على الفرث والدم ، فأخرج من بين ذلك ، لبنا خالصا من الكدر سائغا للشاربين ، للذته ، ولأنه يسقي ويغذي ، فهل هذه إلا قدرة ، إلهية ، لا أمور طبيعية . فأي شيء في الطبيعة ، يقلب العلف الذي تأكله البهيمة ، والشراب الذي تشربه من الماء العذب والملح ، لبنا خالصا سائغا للشاربين ؟ [ 67 ] وجعل تعالى لعباده من ثمرات النخيل والأعناب ، منافع للعباد ، ومصالح ، من أنواع الرزق الحسن ، الذي يأكله العباد ، طريّا ونضيجا ، وحاضرا ، ومدخرا ، وطعاما وشرابا يتخذ من عصيرها ونبيذها ، ومن السكر الذي كان حلالا قبل ذلك ، ثم إن اللّه نسخ حلّ المسكرات ، وأعاض عنها بالطيبات من الأنبذة ، وأنواع الأشربة اللذيذة المباحة ولهذا قال من قال : « إن المراد بالسكر هنا : الطعام والشراب اللذيذ » وهو أولى من القول الأول .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
عن اللّه كمال اقتداره ، حيث أخرجها من أشجار شبيهة بالحطب ، فصارت ثمرة لذيذة وفاكهة طيبة ، وعلى شمول رحمته ، حيث عم بها عباده ويسرها لهم ، وأنه الإله المعبود وحده ، حيث إنه المنفرد