تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
أخذ عزيز مقتدر ، فليتب إليه ، وليرجع في جميع أموره إليه ، فإنه رؤوف رحيم . فالبدار البدار إلى رحمته الواسعة ، وبره العميم ، وسلوك الطرق الموصلة إلى فضل الرب الرحيم ، ألا وهي تقواه ، والعمل بما يحبه ويرضاه . [ 48 ] يقول تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا
أي : الشاكون في توحيد ربهم وعظمته وكماله ،
إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
أي : إلى جميع مخلوقاته ، وكيف تتفيأ أظلتها ،
عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ
أي : كلها ساجدة لربها ، خاضعة لعظمته وجلاله ،
وَهُمْ داخِرُونَ
أي : ذليلون تحت التسخير والتدبير ، والقهر ، ما منهم أحد ، إلا وناصيته بيد اللّه ، وتدبيره عنده . [ 49 ]
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ
من الحيوانات الناطقة والصامتة ،
وَالْمَلائِكَةُ
الكرام ، خصهم بعد العموم ، لفضلهم ، وشرفهم ، وكثرة عبادتهم ، ولهذا قال :
وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
أي : عن عبادته ، على كثرتهم ، وعظمة أخلاقهم وقوتهم ، كما قال تعالى :
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
. [ 50 ]
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
لما مدحهم بكثرة الطاعة ، والخضوع للّه ، مدحهم بالخوف من اللّه الذي هو فوقهم بالذات والقهر ، وكمال الأوصاف ، فهم أذلاء تحت قهره .
وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
أي : مهما أمرهم اللّه تعالى ، امتثلوا لأمره ، طوعا واختيارا ، وسجود المخلوقات للّه تعالى قسمان : سجود اضطرار ، ودلالة على ما له من صفات الكمال ، وهذا عام لكل مخلوق ، من مؤمن وكافر ، وبر وفاجر ، وحيوان ناطق وغيره ، وسجود اختيار ، يختص بأوليائه وعباده المؤمنين ، الملائكة ، وغيرهم من المخلوقات . [ 51 ] يأمر تعالى ، بعبادته وحده لا شريك له ، ويستدل على ذلك بانفراده بالنعم فقال :
لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
أي : تجعلون له شريكا في إلهيته ، وهو
إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ
متوحد في الأوصاف العظيمة ، متفرد بالأفعال كلها . فكما أنه الواحد في ذاته ، وأسمائه ، ونعوته ، وأفعاله ، فلتوحّدوه في عبادته ، ولهذا قال :
فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
أي : خافوني ، وامتثلوا أمري ، واجتنبوا نهيي ، من غير أن تشركوا بي شيئا من المخلوقات ، فإنها كلها للّه تعالى مملوكة . [ 52 ]
وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً
أي : الدين ، والعبادة ، والذل في جميع الأوقات ، للّه وحده ، على الخلق أن يخلصوه للّه ، وينصبغوا بعبوديته .
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ
من أهل الأرض أو أهل السماوات ، فإنهم لا يملكون لكم ضرا ولا نفعا ، واللّه المنفرد ، بالعطاء والإحسان . [ 53 ]
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ
ظاهرة وباطنة
فَمِنَ اللَّهِ
لا أحد يشركه فيها ،
ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ
من فقر ، ومرض ، وشدة
فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ
أي : تضجون بالدعاء والتضرع ، لعلمكم أنه لا يدفع الضر والشدة إلا هو ، فالذي انفرد بإعطائكم ما تحبون ، وصرف ما تكرهون ، هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده . ولكن كثيرا من الناس ، يظلمون أنفسهم ، ويحمدون نعمة اللّه عليهم إذا نجاهم من الشدة ، فإذا صاروا في حال الرخاء ، أشركوا به بعض