تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
الشديد ،
وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ
في لونه ، وطعمه ، ورائحته الخبيثة ، وهو في غاية الحرارة . [ 17 ]
يَتَجَرَّعُهُ
من العطش الشديد
وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ
فإنه إذا قرب إلى وجهه ، شواه ، وإذا وصل إلى بطنه ، قطع ما أتى عليه من الأمعاء ،
وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ
أي : يأتيه العذاب الشديد من كل نوع من أنواع العذاب ، وكل نوع منه ، من شدته يبلغ إلى الموت ولكن اللّه قضى أن لا يموتوا كما قال تعالى :
لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها
.
وَمِنْ وَرائِهِ
أي : الجبار العنيد
عَذابٌ غَلِيظٌ
أي : قوي شديد ، لا يعلم وصفه وشدته ، إلا اللّه تعالى . [ 18 ] يخبر تعالى عن أعمال الكفار التي عملوها : إما أن المراد بها ، الأعمال التي عملوها للّه ، بأنها في ذهابها وبطلانها واضمحلالها كاضمحلال الرماد ، الذي هو أدق الأشياء وأخفها ، إذا اشتدت به الريح في يوم عاصف شديد الهبوب ، فإنه لا يبقى منه شيء ، ولا يقدر منه على شيء ، يذهب ويضمحل . فكذلك أعمال الكفار
لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ
ولا على مثقال ذرة منه لأنه مبني على الكفر والتكذيب .
ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ
حيث بطل سعيهم ، واضمحل عملهم . وإما أن المراد بذلك ، أعمال الكفار التي عملوها ، ليكيدوا بها الحقّ ، فإنهم يسعون ويكدحون في ذلك ، ومكرهم عائد عليهم ، ولن يضروا اللّه ورسله وجنده وما معهم ، من الحقّ شيئا . [ 19 ] ينبه تعالى عباده بأن
اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
أي : ليعبده الخلق ويعرفوه ، ويأمرهم وينهاهم ، وليستدلوا بهما ، وما فيهما ، على ما له من صفات الكمال ، وليعلموا أن الذي خلق السماوات والأرض - على عظمهما وسعتهما - قادر على أن يعيدهم خلقا جديدا ، ليجازيهم بإحسانهم وإساءتهم ، وأن قدرته ومشيئته ، لا تقصر عن ذلك ، ولهذا قال :
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
. يحتمل أن المعنى : إن يشأ يذهبكم ويأت بقوم غيركم ، يكونون أطوع للّه منكم ، ويحتمل أن المراد : إن يشأ يفنيكم ، ثمّ يعيدكم بالبعث خلقا جديدا ، ويدل على هذا الاحتمال ، ما ذكره بعده ، من أحوال يوم القيامة . [ 20 ]
وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
( 20 ) أي : بممتنع بل هو سهل عليه جدا ،
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
. [ 21 ]
وَبَرَزُوا
أي : الخلائق
لِلَّهِ جَمِيعاً
حين ينفخ في الصور ، فيخرجون من الأجداث إلى ربهم ، فيقفون في أرض مستوية ، قاع صفصف ، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ويبرزون له ، لا يخفى عليه منهم خافية ، فإذا برزوا ، صاروا يتحاجون ، وكل يدفع عن نفسه ، ويدافع ما يقدر عليه ولكن أنى لهم ذلك ؟
فَقالَ الضُّعَفاءُ
أي : التابعون والمقلدون
لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا
وهم : المتبوعون ، الّذين هم قادة في الضلال :
إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً
أي : في الدنيا ، أمرتمونا بالضلال ، وزينتموه لنا ، فأغويتمونا ،
فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
أي : ولو مثقال ذرة ،
قالُوا
أي : المتبوعون والرؤساء
أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا
و
لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ
فلا يغني أحد أحدا ،
سَواءٌ
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 490 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي