تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
الهدى ، وينهون عن الفساد والردى ، فحصل من نفعهم ، وأبقيت به الأديان ، ولكنهم قليلون جدا . وغاية الأمر ، أنهم نجوا باتباعهم المرسلين ، وقيامهم بما قاموا به من دينهم ، ويكون حجة اللّه أجراها على أيديهم ، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيا من حيّ عن بيّنة .
وَ
لكن
اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ
أي : اتبعوا ما هم فيه من النعيم والترف ، ولم يبغوا به بدلا .
وَكانُوا مُجْرِمِينَ
أي : ظالمين ، باتباعهم ما أترفوا فيه ، فلذلك حق عليهم العقاب ، واستأصلهم العذاب . وفي هذا حث لهذه الأمة أن يكون فيهم بقايا مصلحون ، لما أفسد الناس ، قائمون بدين اللّه ، يدعون من ضل إلى الهدى ، ويصبرون منهم على الأذى ، ويبصرونهم من العمى . وفي هذه الحالة ، أعلى حالة يرغب فيها الراغبون ، وصاحبها يكون إماما في الدين ، إذ جعل عمله خالصا لرب العالمين . [ 117 ] أي : وما كان اللّه ليهلك القرى بظلم منه لهم ، والحال أنهم مصلحون ، أي : مقيمون على الصلاح ، مستمرون عليه . فما كان اللّه ليهلكهم إلا إذا ظلموا ، وقامت عليهم حجة اللّه . ويحتمل أن المعنى : وما كان ربك ليهلك القرى بظلمهم السابق ، إذا رجعوا وأصلحوا عملهم . فإن اللّه يعفو عنهم ، ويمحو ما تقدم من ظلمهم . [ 118 - 119 ] يخبر تعالى أنه لو شاء لجعل الناس أمة واحدة على الدين الإسلامي ، فإن مشيئته غير قاصرة ، ولا يمتنع عليه شيء ، ولكنه اقتضت حكمته أن لا يزالوا مختلفين ، مخالفين للصراط المستقيم ، متبعين للسبل الموصلة إلى النار ، كل يرى الحق فيما قاله ، والضلال في قول غيره .
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ
فهداهم إلى العلم بالحق والعمل به ، والاتفاق عليه ، فهؤلاء سبقت لهم سابقة السعادة ، وتداركتهم العناية الربانية والتوفيق الإلهي . وأما من عداهم فهم مخذولون موكولون إلى أنفسهم . وقوله :
وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
أي : اقتضت حكمته ، أنه خلقهم ، ليكون منهم السعداء والأشقياء ، والمتفقون والمختلفون ، والفريق الذي هدى اللّه ، والفريق الذي حقت عليهم الضلالة ، ليتبين للعباد عدله ، وحكمته ، وليظهر ما كمن من الطباع البشرية من الخير والشر ، ولتقوم سوق الجهاد والعبادات التي لا تتم ولا تستقيم إلا بالامتحان والابتلاء .
وَ
لأنه
تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
فلا بد أن ييسر للنار أهلا ، يعملون بأعمالها الموصلة إليها . [ 120 ] لما ذكر في هذه السورة من أخبار الأنبياء ، ما ذكر ، ذكر الحكمة في ذكر ذلك فقال :
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ
أي ، قلبك ليطمئن ، ويثبت ، وتصبر ، كما صبر أولو العزم من الرسل . فإن النفوس تأنس بالاقتداء ، وتنشط على الأعمال ، وتريد المنافسة لغيرها ، ويتأيد الحق بذكر شواهده ، وكثرة من قام به .
وَجاءَكَ فِي هذِهِ
السورة
الْحَقُّ
اليقين ، فلا شك فيه بوجه من الوجوه ، فالعلم بذلك من العلم بالحق الذي هو أكبر فضائل النفوس .
وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ
أي : يتعظون به ، فيرتدعون عن الأمور المكروهة ، ويتذكرون الأمور المحبوبة للّه ، فيفعلونها . [ 121 - 122 ] وأما من ليس من أهل الإيمان ، فلا تنفعهم المواعظ ، وأنواع التذكير ، ولهذا قال :
وَقُلْ لِلَّذِينَ لا