تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
المؤمنين أن يستقيموا كما أمروا ، فيسلكوا ما شرعه اللّه من الشرائع ، ويعتقدوا ما أخبر اللّه من العقائد الصحيحة ، ولا يزيغوا عن ذلك ، يمنة ، ولا يسرة ، ويدوموا على ذلك ، ولا يطغوا ، بأن يتجاوزوا ما حده اللّه لهم من الاستقامة . وقوله :
إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
أي : لا يخفى عليه من أعمالكم شيء ، وسيجازيكم عليها . ففيه ترغيب لسلوك الاستقامة ، وترهيب من ضدها ، ولهذا حذرهم عن الميل إلى من تعدى الاستقامة فقال :
وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
فإنكم إذا ملتم إليهم ، ووافقتموهم على ظلمهم ، أو رضيتم ما هم عليه من الظلم
فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ
إن فعلتم ذلك
وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ
يمنعونكم من عذاب اللّه ، ولا يحصلون لكم شيئا من ثواب اللّه .
ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ
أي : لا يدفع عنكم العذاب إذا مسكم . ففي هذه الآية : التحذير من الركون إلى كل ظالم ، والمراد بالركون ، الميل والانضمام إليه بظلمه ، وموافقته على ذلك ، والرضا بما هو عليه من الظلم . وإذا كان هذا الوعيد في الركون إلى الظلمة ، فكيف حال الظلمة ؟ نسأل اللّه العافية من الظلم . [ 114 ] يأمر تعالى بإقامة الصلاة كاملة
طَرَفَيِ النَّهارِ
أي : أوله وآخره ، ويدخل في هذا ، صلاة الفجر ، وصلاتا الظهر والعصر ،
وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ
ويدخل في ذلك صلاة المغرب والعشاء ، ويتناول ذلك قيام الليل ، فإنها مما تزلف العبد ، وتقربه إلى اللّه تعالى .
إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
أي : فهذه الصلوات الخمس ، وما ألحق بها من التطوعات من أكبر الحسنات ، وهي : - مع أنها حسنات - تقرب إلى اللّه ، وتوجب الثواب ، فإنها تذهب السيئات وتمحوها ، والمراد بذلك : الصغائر ، كما قيدتها الأحاديث الصحيحة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مثل قوله : « والصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر » ، بل كما قيدتها الآية التي في سورة النساء ، وهي قوله عزّ وجل : ،
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً
( 31 ) . ذلك ولعل الإشارة لكل ما تقدم من لزوم الاستقامة على الصراط المستقيم وعدم مجاوزته وتعديه ، وعدم الركون إلى الذين ظلموا . والأمر بإقامة الصلاة ، وبيان أن الحسنات يذهبن السيئات ، الجميع
ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ
يفهمون بها ما أمرهم اللّه به ، ونهاهم عنه ، ويمتثلون لتلك الأوامر الحسنة المثمرة للخيرات ، الدافعة للشرور والسيئات . [ 115 ] ولكن تلك الأمور ، تحتاج إلى مجاهدة النفس ، والصبر عليها ولهذا قال :
وَاصْبِرْ
أي : احبس نفسك على طاعة اللّه ، وعن معصيته ، وإلزامها لذلك ، واستمر ولا تضجر .
فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
بل يتقبل اللّه عنهم أحسن الذي عملوا ، ويجزيهم أجرهم ، بأحسن ما كانوا يعملون . وفي هذا ترغيب عظيم ، للزوم الصبر ، بتشويق النفس الضعيفة ، إلى ثواب اللّه ، كلما ونت وفترت . [ 116 ] لما ذكر تعالى إهلاك الأمم المكذبة للرسل ، وأن أكثرهم منحرفون عن أهل الكتب الإلهية وذلك كله يقضي على الأديان بالذهاب والاضمحلال ، ذكر أنه لولا أنه جعل في القرون الماضية بقايا من أهل الخير يدعون إلى