تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
الْجُبِّ
وتتوعدوه ، على أنه لا يخبر بشأنكم ، بل على أنه عبد مملوك آبق ، لأجل أن
يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ
الذين يريدون مكانا بعيدا ، فيحتفظوا به . وهذا القائل أحسنهم رأيا في يوسف ، وأبرهم ، وأتقاهم في هذه القضية . فإن بعض الشر ، أهون من بعض ، والضرر الخفيف ، يدفع به الضرر الثقيل . [ 11 ] فلما اتفقوا على هذا الرأي
قالُوا يا أَبانا ما
إلى قوله :
إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ
، أي : قال إخوة يوسف ، متوصلين إلى مقصدهم لأبيهم :
يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ
أي : لأي شيء يدخلك الخوف منا ، على يوسف ، من غير سبب ، ولا موجب ؟
وَ
الحال
إِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ
أي : مشفقون عليه ، نود له ما نود لأنفسنا ، وهذا يدل على أن يعقوب عليه السلام ، لا يترك يوسف يذهب مع إخوته للبرية ونحوها . [ 12 ] فلما نفوا عن أنفسهم التهمة المانعة ، لعدم إرساله معهم ، ذكروا له من مصلحة يوسف وأنسه ، الذي يحبه أبوه له ، ما يقتضي أن يسمح بإرساله معهم ، فقالوا :
أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ
أي : يتنزه في البرية ويستأنس ،
وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
أي : سنراعيه ، ونحفظه من كل أذى يريده . [ 13 - 14 ] فأجابهم بقوله :
إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ
أي : مجرد ذهابكم به ، يحزنني ، ويشق عليّ ، لأنني لا أقدر على فراقه ، ولو مدة يسيرة . فهذا مانع من إرساله
وَ
مانع ثان ، وهو : أني
أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ
أي : في حال غفلتكم عنه ، لأنه صغير ، لا يمتنع من الذئب .
قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ
أي : جماعة ، حريصون على حفظه ،
إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ
أي : لا خير فينا ، ولا نفع يرجى منا ، إن أكله الذئب ، وغلبنا عليه . فلما مهدوا لأبيهم الأسباب الداعية لإرساله ، وعدم الموانع ، سمح حينئذ بإرساله معهم ، لأجل أنسه . [ 15 - 17 ] أي : لما ذهب إخوة يوسف ، بعد ما أذن له أبوه ، وعزموا أن يجعلوه في غيابة الجب ، كما قال قائلهم ، السابق ذكره ، وكانوا قادرين على ما أجمعوا عليه ، فنفذوا فيه قدرتهم ، وألقوه في الجب ، ثم إن اللّه ، لطف به ، بأن أوحى إليه وهو بتلك الحال الحرجة ،
لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
أي : سيكون منك معاتبة لهم ، وإخبار عن أمرهم هذا ، وهم لا يشعرون بذلك الأمر . ففيه بشارة له ، بأنه سينجو مما وقع فيه ، وأن اللّه سيجمعه بأهله وإخوته ، على وجه العز والتمكين له ، في الأرض .
وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ
( 16 ) ليكون إتيانهم ، متأخرا عن عادتهم ، وبكاؤهم دليلا لهم ، وقرينة على صدقهم ، فقالوا - معتذرين بعذر كاذب - ،
يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ
إما على الأقدام ، أو بالرمي والنضال ،
وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا
توفيرا له وراحة ،
فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ
في حال غيابنا عنه واستباقنا ،
وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ
أي : اعتذرنا بهذا العذر ، والظاهر أنك لا تصدقنا ، لما في قلبك من الحزن على يوسف ، والرقة الشديدة عليه . [ 18 ] ولكن عدم تصديقك إيانا ، لا يمنعنا أن نعتذر بالعذر الحقيقي ، وكل هذا ، تأكيد لعذرهم ،
وَ
مما أكدوا به قولهم ، أنهم
جاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ
زعموا ، أنه دم
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 453 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي