تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
فيه ، ولا يفتر عنكم ساعة .
هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ
من الكفر والتكذيب والمعاصي . [ 53 ] يقول تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم :
وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ
أي : يستخبرك المكذبون على وجه التعنت والعناد ، لا على وجه التبين والاسترشاد .
أَ حَقٌّ هُوَ
أي : أصحيح حشر العباد ، وبعثهم بعد موتهم ليوم المعاد ، وجزاء العباد بأعمالهم ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ؟
قُلْ
لهم مقسما على صحته ، مستدلا عليه بالدليل الواضح والبرهان :
إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ
لا مرية فيه ولا شبهة تعتريه .
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
للّه أن يبعثكم ، فكما ابتدأ خلقكم ، ولم تكونوا شيئا ، كذلك يعيدكم مرّة أخرى ليجازيكم بأعمالكم . [ 54 ]
وَ
إذا كانت القيامة
لَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ
بالكفر والمعاصي جميع
ما فِي الْأَرْضِ
من ذهب وفضة وغيرهما ، لتفتدي به من عذاب اللّه
لَافْتَدَتْ بِهِ
ولما نفعها ذلك ، وإنّما النفع والضر ، والثواب والعقاب ، على الأعمال الصالحة ، والسيئة .
وَأَسَرُّوا
أي : الّذين ظلموا
النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ
ندموا على ما قدموا ، ولات حين مناص ،
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
أي : العدل التام الذي لا ظلم ولا جور فيه بوجه من الوجوه . [ 55 ]
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يحكم فيهم بحكمه الديني والقدري ، وسيحكم فيهم بحكمة الجزائي . ولهذا قال :
أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
فلذلك لا يستعدون للقاء اللّه ، بل ربما لم يؤمنوا به ، وقد تواترت عليه الأدلة القطعية والبراهين النقلية والعقلية . [ 56 ]
هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ
أي : هو المتصرف بالإحياء والإماتة ، وسائر أنواع التدابير ، لا شريك له في ذلك .
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
يوم القيامة ، فيجازيكم بأعمالكم خيرها وشرها . [ 57 ] يقول تعالى - مرغبا الخلق ، في الإقبال على هذا الكتاب الكريم ، بذكر أوصافه الحسنة الضرورية للعباد فقال :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
أي : تعظكم ، وتنذركم عن الأعمال الموجبة لسخط اللّه ، المقتضية لعقابه ، وتحذركم عنها ببيان آثارها ومفاسدها .
وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ
وهو : هذا القرآن ، شفاء لما في الصدور من أمراض الشهوات الصادّة عن الانقياد للشرع ، وأمراض الشبهات ، القادحة في العلم اليقيني . فإن ما فيه من المواعظ ، والترغيب ، والترهيب ، والوعد والوعيد ، مما يوجب للعبد الرغبة والرهبة . وإذا وجدت فيه الرغبة في الخير ، والرهبة عن الشر ، ونمتا على تكرر ما يرد إليها من معاني القرآن ، أوجب ذلك تقديم مراد اللّه على مراد النفس ، وصار ما يرضي اللّه أحب إلى العبد من شهوة نفسه . وكذلك ما فيه من البراهين والأدلة التي صرّفها اللّه ، غاية التصريف ، وبيّنها أحسن بيان ، مما يزيل الشبه القادحة في الحقّ ، ويصل به القلب إلى أعلى درجات اليقين . وإذا صح القلب من مرضه ، ورفل بأثواب العافية ، تبعته الجوارح كلها ، فإنها تصلح بصلاحه ، وتفسد بفساده ،
وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
فالهدى هو العلم بالحق والعمل به . والرحمة هي : ما يحصل من الخير والإحسان ، والثواب العاجل والآجل ، لمن اهتدى به . فالهدى ، أجل الوسائل ، والرحمة أكمل المقاصد والرغائب ، ولكن لا يهتدي به ،