تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
[ 35 ]
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ
ببيانه وإرشاده أو بإلهامه وتوفيقه .
قُلِ اللَّهُ
وحده
يَهْدِي لِلْحَقِّ
بالأدلة والبراهين ، وبالإلهام والتوفيق ، والإعانة إلى سلوك أقوم طريق .
أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي
أي : لا يهتدي
إِلَّا أَنْ يُهْدى
لعدم علمه ، ولضلاله ، وهي شركاؤهم التي لا تهدي ولا تهتدي إلا أن تهدى
فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
أي : أيّ شيء يجعلكم تحكمون هذا الحكم الباطل ، بصحة عبادة أحد مع اللّه ، بعد ظهور الحجة والبرهان ، أنه لا يستحق العبادة إلا اللّه وحده . فإذا تبين أنه ليس في آلهتهم التي يعبدون مع اللّه ، أوصافا معنوية ، ولا أوصافا فعلية ، تقتضي أن تعبد مع اللّه ، بل هي متصفة بالنقائص الموجبة لبطلان إلهيتها ، فلأي شيء جعلت مع اللّه آلهة ؟ فالجواب : أن هذا من تزيين الشيطان للإنسان ، أقبح البهتان ، وأضل الضلال ، حتى اعتقد ذلك وألفه ، وظنه حقا ، وهو لا شيء . [ 36 ] ولهذا قال :
وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ
أي : أكثر الّذين يدعون من دون اللّه شركاء ،
إِلَّا ظَنًّا
أي : ما يتبعون في الحقيقة شركاء للّه ، فإنه ليس للّه شريك أصلا ، عقلا ، ولا نقلا ، وإنّما يتبعون الظن و
إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
. فسموها آلهة ، وعبدوها مع اللّه ،
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ
.
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ
وسيجازيهم على ذلك بالعقوبة البليغة . [ 37 ] يقول تعالى :
وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي : غير ممكن ولا متصور ، أن يفترى هذا القرآن على اللّه ، لأنه الكتاب العظيم الذي
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
( 42 ) ، وهو الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا . وهو الكتاب الذي تكلم به رب العالمين ، فكيف يقدر أحد من الخلق أن يتكلم بمثله ، أو بما يقاربه ، والكلام تابع لعظمة المتكلم ووصفه ؟ فإن كان أحد يماثل اللّه في عظمته ، وأوصاف كماله ، أمكن أن يأتي بمثل هذا القرآن ، ولو تنزلنا على الفرض والتقدير ، فتقوّله أحد على رب العالمين ، لعاجله بالعقوبة وبادره بالنكال .
وَلكِنْ
اللّه أنزل هذا الكتاب ، رحمة للعالمين ، وحجة على العباد أجمعين . أنزله
تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
من كتب اللّه السماوية ، بأن وافقها ، وصدقها بما شهدت به ، وبشرت بنزوله ، فوقع كما أخبرت .
وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ
للحلال والحرام ، والأحكام الدينية والقدرية ، والإخبارات الصادقة .
لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
أي : لا شك ولا مرية فيه ، بوجه من الوجوه ، بل هو الحقّ اليقين :
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
( 80 ) الذي ربّى جميع الخلق بنعمه . ومن أعظم أنواع تربيته أن أنزل عليهم هذا الكتاب ، الذي فيه مصالحهم الدينية والدنيوية ، المشتمل على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال . [ 38 ]
أَمْ يَقُولُونَ
أي المكذبون به ، عنادا وبغيا :
افْتَراهُ
محمد على اللّه ، واختلقه ،
قُلْ
لهم - ملزما لهم بشيء - إن قدروا عليه ، أمكن ما ادّعوه ، وإلا كان قولهم باطلا .
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
يعاونكم على الإتيان بسورة مثله ، وهذا محال ، ولو كان ممكنا لا دعوا قدرتهم على ذلك ، ولأتوا بمثله . ولكن لما بان عجزهم تبين أن ما قالوه باطل ، لا حظّ له من الحجة . والذي حملهم على التكذيب بالقرآن ، المشتمل على
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 415 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي