تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ
متبرءين منهم :
ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ
فإننا ننزه اللّه أن يكون له شريك ، أو نديد .
فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ
( 29 ) ، ما أمرناكم بها ، ولا دعوناكم لذلك ، وإنما عبدتم من دعاكم إلى ذلك ، وهو الشيطان ، كما قال تعالى :
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
( 60 ) . وقال :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ( 40 ) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ
( 41 ) . فالملائكة الكرام ، والأنبياء ، والأولياء ونحوهم : يتبرءون ممن عبدهم يوم القيامة ويتنصلون من دعائهم إياهم إلى عبادتهم وهم الصادقون البارون في ذلك . فحينئذ يتحسر المشركون حسرة ، لا يمكن وصفها ، ويعلمون مقدار ما قدموا من الأعمال ، وما أسلفوا من رديء الخصال ، ويتبين لهم يومئذ أنهم كانوا كاذبين ، وأنهم مفترون على اللّه ، قد ضلت عبادتهم ، واضمحلت معبوداتهم ، وتقطعت بهم الأسباب والوسائل . [ 30 ] ولهذا قال :
هُنالِكَ
أي : في ذلك اليوم
تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ
أي : تتفقد أعمالها وكسبها ، وتتبعه بالجزاء ، وتجازى بحسبه ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .
وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
من قولهم بصحة ما هم عليه من الشرك ، وأن ما يعبدون من دون اللّه ، تنفعهم وتدفع عنهم العذاب . [ 31 - 33 ] أي : قل لهؤلاء الّذين أشركوا باللّه ، ما لم ينزل به سلطانا - محتجا عليهم بما أقروا به ، من توحيد الربوبية ، على ما أنكروه من توحيد الألوهية -
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
بإنزال الأرزاق من السماء ، وإخراج أنواعها من الأرض ، وتيسير أسبابها فيها ؟
أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ
أي : من هو الذي خلقهما وهو مالكهما ؟ وخصهما بالذكر ، من باب التنبيه على المفضول بالفاضل ، ولكمال شرفهما ونفعهما .
وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
كإخراج أنواع الأشجار والنبات من الحبوب والنوى ، وإخراج المؤمن من الكافر ، والطائر من البيضة ، ونحو ذلك .
وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ
عكس هذه المذكورات .
وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
في العالم العلوي والسفلي ، وهذا شامل لجميع أنواع التدابير الإلهية ، فإنك إذا سألتهم عن ذلك
فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ
لأنهم يعترفون بجميع ذلك ، وأن اللّه لا شريك له في شيء من المذكورات .
فَقُلْ
لهم إلزاما بالحجة
أَ فَلا تَتَّقُونَ
اللّه فتخلصون له العبادة ، وحده لا شريك له ، وتخلعون ما تعبدونه من دونه من الأنداد والأوثان .
فَذلِكُمُ
الذي وصف نفسه بما وصفها به
اللَّهُ رَبُّكُمُ
أي : المألوه المعبود المحمود ، المربي جميع الخلق بالنعم وهو :
الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ
. فإنه تعالى المنفرد بالخلق والتدبير لجميع الأشياء ، الذي ما بالعباد من نعمة ، إلا منه ، ولا يأتي بالحسنات إلا هو ، ولا يدفع السيئات إلا هو ، ذو الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العظيمة والجلال والإكرام .
فَأَنَّى تُصْرَفُونَ
عن عبادة من هذا وصفه ، إلى عبادة الذي ليس له من وجوده إلا العدم ، ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا ، ولا موتا ، ولا حياة ولا نشورا . فليس له من الملك مثقال ذرة ، ولا شركة له بوجه من الوجوه ، ولا يشفع عند اللّه إلا بإذنه . فتبّا لمن أشرك به ، وويحا لمن كفر به ، لقد عدموا عقولهم بعد أن عدموا أديانهم ، بل فقدوا دنياهم وأخراهم . ولهذا قال تعالى عنهم :
كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
( 33 ) بعد أن أراهم اللّه من الآيات البينات والبراهين النيرات ما فيه عبرة لأولي الألباب ، وموعظة للمتقين وهدى للعالمين . [ 34 ] يقول تعالى - مبينا عجز آلهة المشركين ، وعدم اتصافها ، بما يوجب اتخاذها آلهة مع اللّه - :
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ
أي يبتديه
ثُمَّ يُعِيدُهُ
. وهذا استفهام بمعنى النفي والتقرير ، أي : ما منهم أحد يبدأ الخلق ثم يعيده ، وهي أضعف من ذلك وأعجز ،
قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
من غير مشارك ، ولا معاون له على ذلك .
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
أي : تصرفون ، وتنحرفون عن عبادة المنفرد بالابتداء ، والإعادة ، إلى عبادة من لا يخلق شيئا وهم يخلقون .
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 414 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي