تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
بعد الخوف ، نسوا ما أصابهم من الضراء ، ولم يشكروا اللّه على الرخاء والرحمة ، بل استمروا في طغيانهم ومكرهم . ولهذا قال :
إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا
أي يسعون بالباطل ، ليبطلوا به الحقّ .
قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً
فإن المكر السيّئ لا يحيق إلا بأهله ، فمقصودهم منعكس عليهم ، ولم يسلموا من التبعة ، بل تكتب الملائكة عليهم ، ما يعملون ، ويحصيه اللّه ، ثمّ يجازيهم عليه أوفر الجزاء . [ 22 - 23 ] لما ذكر تعالى القاعدة العامة في أحوال الناس عند إصابة الرحمة لهم بعد الضراء ، واليسر بعد العسر ، ذكر حالة تؤيد ذلك وهي : حالهم في البحر ، عند اشتداده والخوف من عواقبه ، فقال :
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
بما يسر لكم من الأسباب الميسرة لكم فيها ، وهداكم إليها .
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ
أي : السفن البحرية
وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
موافقة لما يهوونه ، من غير انزعاج ولا مشقة .
وَفَرِحُوا بِها
واطمأنوا إليها ، فبينما هم كذلك ، إذ
جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ
شديدة الهبوب
وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ
أي : عرفوا أنه الهلاك ، فانقطع حينئذ ، تعلقهم بالمخلوقين ، وعرفوا أنه لا ينجيهم من هذه الشدة إلا اللّه وحده . وحينئذ
دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
ووعدوا من أنفسهم على وجه الإلزام ، فقالوا :
لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
.
فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
أي نسوا تلك الشدة وذلك الدعاء ، وما الزموه أنفسهم ، فأشركوا باللّه ، من اعترفوا بأنه لا ينجيهم من الشدائد ، ولا يدفع عنهم المضايق . فهلا أخلصوا للّه العبادة في الرخاء ، كما أخلصوها في الشدة ؟ ولكن هذا البغي يعود وباله عليهم ، ولهذا قال :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا
أي : غاية ما تؤملون ببغيكم ، وشرودكم عن الإخلاص للّه ، أن تنالوا شيئا من حطام الدنيا وجاهها ، النزر اليسير الذي سينقضي سريعا ، ويمضي جميعا ، ثمّ تنتقلون عنه بالرغم .
ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ
في يوم القيامة
فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
وفي هذا غاية التحذير لهم عن الاستمرار على عملهم . [ 24 ] وهذا المثل من أحسن الأمثلة ، وهو مطابق لحالة الدنيا ، فإن لذّاتها وشهواتها وجاهها ، ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن زها وقتا قصيرا ، فإذا استكمل وتم ، اضمحل ، وزال عن صاحبه ، أو زال صاحبه عنه ، فأصبح صفر اليدين منها ، ممتلئ القلب من همها وحزنها وحسرتها . فذلك
كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ
أي : نبت فيها من كل صنف ، وزوج بهيج
مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ
كالحبوب والثمار
وَ
مما تأكل
الْأَنْعامُ
كأنواع العشب ، والكلأ المختلف الأصناف .
حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ
أي : تزخرفت في منظرها ، واكتست في زينتها ، فصارت بهجة للناظرين ، ونزهة للمتفرجين ، وآية للمتبصرين ، فصرت ترى لها منظرا عجيبا ما بين أخضر ، وأصفر ، وأبيض وغيره .
وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها
أي : حصل معهم طمع بأن ذلك سيستمر ويدوم ، لوقوف إرادتهم عنده ، وانتهاء مطالبهم فيه . فبينما هم في تلك الحالة
أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
أي : كأنها ما كانت فهذه حالة الدنيا ، سواء بسواء .
كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ
أي : نبينها ونوضحها ، بتقريب المعاني إلى الأذهان ، وضرب الأمثال
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
أي : يعملون أفكارهم فيما ينفعهم . وأما الغافل
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 412 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي