تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
الحقّ ، الذي لا حق فوقه ، أنهم لم يحيطوا به علما . [ 39 ] فلو أحاطوا به علما ، وفهموه حق فهمه ، لأذعنوا بالتصديق به . وكذلك إلى الآن لم يأتهم تأويله الذي وعدهم أن ينزل بهم العذاب ويحل بهم النكال ، وهذا التكذيب الصادر منهم من جنس تكذيب من قبلهم ، ولهذا قال :
كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ
وهو الهلاك الذي لم يبق منهم أحدا . فليحذر هؤلاء أن يستمروا على تكذيبهم ، فيحل بهم ما أحل بالأمم المكذبين ، والقرون المهلكين . وفي هذا دليل على وجوب التثبت في الأمور ، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يبادر بقبول شيء أو رده ، قبل أن يحيط به علما . [ 40 - 41 ]
وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ
أي : بالقرآن وما جاء به ،
وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ
وهم الّذين لا يؤمنون به على وجه الظلم ، والعناد ، والفساد ، فسيجازيهم على فسادهم بأشد العذاب .
وَإِنْ كَذَّبُوكَ
فاستمر على دعوتك ، وليس عليك من حسابهم من شيء ، وما من حسابك عليهم من شيء ، لكل عمله .
فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
، كما قال تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها *
. [ 42 ] يخبر تعالى عن بعض المكذبين للرسول ولما جاء به ،
وَ
أن
مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ
إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقت قراءته للوحي ، لا على وجه الاسترشاد ، بل على وجه التفرج والتكذيب ، وتطلّب العثرات ، وهذا استماع ، غير نافع ، ولا مجد على أهله خيرا . لا جرم ، انسد عليهم باب التوفيق ، وحرموا من فائدة الاستماع ، ولهذا قال :
أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ
. وهذا الاستفهام بمعنى النفي المتقرر ، أي : لا تسمع الصم ، الّذين لا يستمعون القول ، ولو جهرت به ، وخصوصا إذا كان عقلهم معدوما . فإذا كان من المحال إسماع الأصم الذي لا يعقل للكلام ، فهؤلاء المكذبون ، كذلك ممتنع إسماعك إياهم إسماعا ينتفعون به . وأما سماع الحجة ، فقد سمعوا ما تقوم عليهم به حجة اللّه البالغة ، فهذا طريق عظيم ، من طرق العلم ، قد انسد عليهم ، وهو طريق المسموعات المتعلقة بالخبر . [ 43 ] ثم ذكر انسداد الطريق الثاني ، وهو : طريق النظر فقال :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ
فلا يفيدهم نظرهم إليك ، ولا استراحوا لك شيئا ، فكما أنك لا تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون ، فكذلك لا تهدي هؤلاء . فإذا فسدت عقولهم ، وأسماعهم ، وأبصارهم ، التي هي الطرق الموصلة إلى العلم ومعرفة الحقائق ، فأين الطريق الموصل لهم إلى الحقّ ؟ ودل قوله :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ
الآية ، أن النظر إلى حالة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهديه ، وأخلاقه ، وأعماله ، وما يدعو إليه من أعظم الأدلة على صدقه ، وصحة ما جاء به ، وأنه يكفي البصير عن غيره من الأدلة . [ 44 ] وقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً
فلا يزيد في سيئاتهم ، ولا ينقص من حسناتهم .
وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
يجيئهم الحقّ ، فلا يقبلونه ، فيعاقبهم اللّه بعد ذلك بالطبع على قلوبهم ، والختم على أسماعهم وأبصارهم .