تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
من أموالهم ، كل على حسب حاله ، منهم المكثر ، ومنهم المقل ، فيلمزون المكثر منهم ، بأن قصده بنفقته الرياء والسمعة ، وقالوا للمقل الفقير : إن اللّه غني عن صدقة هذا ، فأنزل اللّه تعالى :
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ
أي : يعيبون ويطعنون
الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ
فيقولون : مراءون ، قصدهم الفخر والرياء .
وَ
يلمزون
الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ
فيخرجون ما استطاعوا ويقولون : اللّه غني عن صدقاتهم
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ
. فقوبلوا على صنيعهم بأن
سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
فإنهم جمعوا في كلامهم هذا ، بين عدة محاذير . منها : تتبعهم لأحوال المؤمنين ، وحرصهم على أن يجدوا مقالا يقولونه فيهم ، واللّه يقول :
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
. ومنها : طعنهم بالمؤمنين ، لأجل إيمانهم ، كفرا باللّه تعالى ، وبغضا للدين . ومنها : أن اللمز محرم ، بل هو من كبائر الذنوب في أمور الدنيا ، وأما اللمز في أمر الطاعة ، فأقبح وأقبح . ومنها : أن من أطاع اللّه ، وتطوع بخصلة من خصال الخير ، فإن الذي ينبغي هو إعانته وتنشيطه على عمله ، وهؤلاء قصدوا تثبيطهم بما قالوا فيهم وعابوهم عليه . ومنها : أن حكمهم على من أنفق مالا كثيرا بأنه مراء ، غلط فاحش ، وحكم على الغيب ، ورجم بالظن ، وأي شر أكبر من هذا ؟ ومنها : أن قولهم لصاحب الصدقة القليلة « اللّه غني عن صدقة هذا » ، كلام مقصوده باطل ، فإن اللّه غني عن صدقة المتصدق بالقليل والكثير ، بل وغني عن أهل السماوات والأرض ، ولكنه تعالى أمر العباد بما هم مفتقرون إليه . فاللّه - وإن كان غنيا عنهم - فهم فقراء إليه
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
( 7 ) . وفي هذا القول من التثبيط عن الخير ما هو ظاهر بيّن ، ولهذا كان جزاؤهم أن يسخر اللّه منهم ، ولهم عذاب أليم . [ 80 ]
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً
على وجه المبالغة ، وإلا فلا مفهوم لها .
فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
كما قال في الآية الأخرى :
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
، ثمّ ذكر السبب المانع لمغفرة اللّه لهم فقال :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
، والكافر لا ينفعه الاستغفار ولا العمل ما دام كافرا .
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ
أي : الّذين صار الفسق لهم وصفا ، بحيث لا يختارون عليه سواه ولا يبغون به بدلا ، يأتيهم الحقّ الواضح ، فيردونه ، فيعاقبهم اللّه تعالى ، بأن لا يوفقهم له بعد ذلك . [ 81 ] يقول تعالى مبينا تبجح المنافقين بتخلفهم وعدم مبالاتهم بذلك ، الدال على عدم الإيمان ، واختيار الكفر على الإيمان .
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ
، وهذا قدر زائد على مجرد التخلف ، فإن هذا تخلف محرّم ، وزيادة رضا بفعل المعصية ، وتبجح به .
وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
، وهذا بخلاف المؤمنين ، الّذين إذا تخلفوا - ولو لعذر - حزنوا على تخلفهم وتأسفوا غاية الأسف ، ويحبون أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه ، لما في قلوبهم من الإيمان ، ويرجون من فضل اللّه وإحسانه ، وبره وامتنانه .
وَقالُوا
أي : المنافقون
لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ
أي : قالوا إن النفير مشقة علينا ، بسبب الحر ، فقدموا راحة قصيرة منقضية على الراحة الأبدية التامة . وحذروا من الحر الذي تقي منه الظلال ، وتذهبه البكور والآصال ، على الحر الشديد الذي لا يقادر
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 393 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي