تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
المسلمين من الصحابة ومن بعدهم أنهم يدعون من يقاتلونهم إلى إحدى ثلاث : إما الإسلام ، أو أداء الجزية ، أو السيف ، من غير فرق بين كتابي وغيره . [ 30 ] لما أمر تعالى بقتال أهل الكتاب ، ذكر من أقوالهم الخبيثة ، ما يهيج المؤمنين الّذين يغارون لربهم ولدينهم ، على قتالهم ، والاجتهاد وبذل الوسع فيه فقال :
وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ
وهذه المقالة ، وإن لم تكن مقالة لعامتهم فقد قالها فرقة منهم ، فيدل ذلك على أن في اليهود من الخبث والشر ، ما أوصلهم إلى أن قالوا هذه المقالة ، التي تجرءوا فيها على اللّه ، وتنقصوا عظمته وجلاله . وقد قيل : إن سبب ادعائهم في « عزيز » أنه ابن اللّه ، أنه لما تسلط الملوك على بني إسرائيل ، ومزقوهم كل ممزق ، وقتلوا حملة التوراة ، وجدوا عزيزا بعد ذلك ، حافظا لها أو أكثرها ، فأملاها عليهم من حفظه ، واستنسخوها ، فادعوا فيه هذه الدعوى الشنيعة .
وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ
عيسى ابن مريم
ابْنُ اللَّهِ
، قال اللّه تعالى :
ذلِكَ
القول الذي قالوه
قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ
لم يقيموا عليه حجة ولا برهانا . ومن كان لا يبالي بما يقول ، لا يستغرب عليه أي قول يقوله ، فإنه لا دين ولا عقل ، يحجزه ، عما يريد من الكلام . ولهذا قال :
يُضاهِؤُنَ
أي : يشابهون في قولهم هذا
قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ
أي : قول المشركين الّذين يقولون : « الملائكة بنات اللّه » تشابهت أقوالهم في البطلان .
قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
أي : كيف يصرفون عن الحقّ ، الصرف الواضح المبين ، إلى القول الباطل المبين . [ 31 ] وهذا - وإن كان يستغرب على أمة كبيرة كثيرة ، أن تتفق على قول - يدل على بطلانه ، أدنى تفكر وتسليط للعقل عليه - فإن لذلك سببا وهو أنهم :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ
وهم علماؤهم
وَرُهْبانَهُمْ
أي : العبّاد المتجردين للعبادة .
أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
يحلّون لهم ما حرم اللّه ، فيحلونه ، ويحرمون عليهم ما أحل اللّه فيحرمونه ، ويشرعون لهم من الشرائع والأقوال المنافية لدين الرسل فيتبعونهم عليها . وكانوا أيضا يغلون في مشايخهم وعبّادهم ، ويعظمونهم ، ويتخذون قبورهم أوثانا ، تعبد من دون اللّه ، وتقصد بالذبائح ، والدعاء والاستغاثة .
وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ
اتخذوه إلها من دون اللّه ، والحال أنهم خالفوا في ذلك ، أمر اللّه لهم على ألسنة رسله ، قال تعالى :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
فيخلصون له العبادة والطاعة ، ويخصونه بالمحبة والدعاء ، فنبذوا أمر اللّه ، وأشركوا به ، ما لم ينزل به سلطانا .
سُبْحانَهُ
وتعالى
عَمَّا يُشْرِكُونَ
أي : تنزه وتقدس ، وتعالت عظمته عن شركهم وافترائهم ، فإنهم ينتقصونه في ذلك ، ويصفونه بما لا يليق بجلاله ، واللّه تعالى العالي في أوصافه وأفعاله ، عن كل ما نسب إليه ، مما ينافي كماله المقدس . [ 32 ] فلما تبين أنه لا حجة لهم على ما قالوه ، ولا برهان لما أصّلوه ، وإنّما هو مجرد قول قالوه ، وافتراء افتروه أخبر أنهم
يُرِيدُونَ
بهذا
أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ
. ونور اللّه : دينه ، الذي أرسل به الرسل ، وأنزل به الكتب . وسماه اللّه نورا ، لأنه يستنار به في ظلمات الجهل ، والأديان الباطلة . فإنه علم بالحق ، وعمل بالحق ، وما عداه ، فإنه بضده . فهؤلاء اليهود والنصارى ، ومن ضاهاهم من المشركين ، يريدون أن يطفئوا نور اللّه ، بمجرد أقوالهم ، التي ليس عليها دليل أصلا .
وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ
لأنه النور الباهر ، الذي لا يمكن لجميع الخلق ، لو اجتمعوا على إطفائه ، أن يطفئوه ، والذي أنزله ، جميع نواصي العباد بيده . وقد تكفل بحفظه من كل من يريده بسوء ، ولهذا قال :
وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
وسعوا ما أمكنهم في رده وإبطاله ، فإن سعيهم لا يضر الحقّ شيئا . [ 33 ] ثمّ بين تعالى هذا النور الذي قد تكفل بإتمامه وحفظه فقال :
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى
الذي هو العلم النافع
وَدِينِ الْحَقِّ
الذي هو العمل الصالح فكان ما بعث اللّه به محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم مشتملا على بيان الحقّ من الباطل ، في أسماء اللّه ، وأوصافه ، وأفعاله ، وفي أحكامه وأخباره ، والأمر بكل مصلحة نافعة للقلوب ، والأرواح ،