تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
ما كانوا به من أكبر الأغنياء والملوك . وقوله :
إِنْ شاءَ
تعليق للإغناء بالمشيئة ، لأن الغنى في الدنيا ، ليس من لوازم الإيمان ، ولا يدل على محبة اللّه ، فلهذا علقه اللّه بالمشيئة ، فإن اللّه يعطي الدنيا ، من يحب . ومن لا يحب ، ولا يعطي الإيمان والدين ، إلا من يحب .
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
أي : علمه واسع ، يعلم من يليق به الغنى ، ومن لا يليق به ، ويضع الأشياء مواضعها ، وينزلها منازلها . وتدل الآية الكريمة ، وهي قوله :
فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا
أن المشركين بعد ما كانوا هم الملوك والرؤساء بالبيت ، ثمّ صار بعد الفتح ، الحكم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ، مع إقامتهم في البيت ، ومكة المكرمة ، ثمّ نزلت هذه الآية . ولما مات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أمر أن يجلوا من الحجاز ، فلا يبقى فيها دينان . وكل هذا لأجل بعد كل كافر عن المسجد الحرام ، فيدخل في قوله :
فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا
. [ 29 ] هذه الآية أمر بقتال الكفار من اليهود والنصارى من
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
إيمانا صحيحا يصدقونه بأفعالهم وأعمالهم .
وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
فلا يتبعون شرعه ، في تحريم المحرمات ،
وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ
أي : لا يدينون بالدين الصحيح ، وإن زعموا أنهم على دين ، فإنه دين ، غير الحقّ ، لأنه إما دين مبدل ، وهو الذي لم يشرعه أصلا ، وإما دين منسوخ قد شرعه اللّه ، ثمّ غيره بشريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيبقى التمسك به بعد النسخ غير جائز . فأمره بقتال هؤلاء ، وحثّ على ذلك ، لأنهم يدعون إلى ما هم عليه ، ويحصل الضرر الكثير منهم للناس ، بسبب أنهم أهل كتاب . وعين ذلك القتال
حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ
أي : المال الذي يكون جزاء لترك المسلمين قتالهم ، وإقامتهم آمنين على أنفسهم وأموالهم ، بين أظهر المسلمين ، يؤخذ منهم كل عام ، كلّ على حسب حاله ، من غني ، وفقير ، ومتوسط ، كما فعل ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وغيره ، من أمراء المؤمنين . وقوله :
عَنْ يَدٍ
أي : حتى يبذلوها في حال ذلهم ، وعدم اقتدارهم ، ويعطوها بأيديهم ، فلا يرسلون بها خادما ، ولا غيره ، بل لا تقبل إلا من أيديهم ،
وَهُمْ صاغِرُونَ
. فإذا كانوا بهذه الحال ، وسألوا المسلمين أن يقروهم بالجزية ، وهم تحت أحكام المسلمين وقهرهم ، وحال الأمن من شرهم وفتنتهم ، واستسلموا للشروط التي أجراها المسلمون ، بما ينفي عزهم وتكبرهم ، ويوجب ذلهم وصغارهم ، وجب على الإمام أو نائبه أن يعقدها لهم . وإلا ، بأن لم يفوا ، ولم يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، لم يجز إقرارهم بالجزية ، بل يقاتلون حتى يسلموا . واستدل بهذه الآية ، الجمهور الّذين يقولون : لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب ، لأن اللّه لم يذكر أخذ الجزية إلا منهم . وأما غيرهم ، فلم يذكر إلا قتالهم حتى يسلموا . وألحق بأهل الكتاب في أخذ الجزية ، وإقرارهم في ديار المسلمين ، المجوس . فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أخذ الجزية من مجوس هجر ، ثمّ أخذها أمير المؤمنين عمر ، من الفرس المجوس . وقيل : إن الجزية تؤخذ من سائر الكفار ، من أهل الكتاب وغيرهم ، لأن هذه الآية نزلت بعد الفراغ من قتال العرب المشركين ، والشروع في قتال أهل الكتاب ونحوهم ، فيكون هذا القيد إخبارا بالواقع ، لا مفهوما له . ويدل على هذا ، أن المجوس أخذت منهم الجزية ، وليسوا أهل كتاب ، ولأنه قد تواتر عن