تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
الأرض على رحبها وسعتها . وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما فتح مكة ، سمع أن هوازن اجتمعوا لحربه ، فسار إليهم صلّى اللّه عليه وسلّم في أصحابه الّذين فتحوا مكة ، وممن أسلم من الطلقاء ، أهل مكة ، فكانوا اثني عشر ألفا ، والمشركون أربعة آلاف ، فأعجب بعض المسلمين بكثرتهم ، وقال بعضهم : لن نغلب اليوم من قلة . فلما التقوا ، هم وهوازن ، حملوا على المسلمين حملة واحدة ، فانهزموا لا يلوي أحد على أحد ، ولم يبق مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا نحو مائة رجل ، ثبتوا معه ، وجعلوا يقاتلون المشركين ، وجعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يركض بغلته نحو المشركين ويقول : « أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب » . ولما رأى من المسلمين ما رأى ، أمر العباس بن عبد المطلب أن ينادي في الأنصار ، وبقية المسلمين ، وكان رفيع الصوت فناداهم : يا أصحاب السمرة ، يا أهل سورة البقرة . فلما سمعوا صوته ، عطفوا عطفة رجل واحد ، فاجتلدوا مع المشركين ، فهزم اللّه المشركين هزيمة شنيعة ، واستولوا على معسكرهم ، ونسائهم ، وأموالهم . وذلك قوله تعالى :
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ
وهو اسم للمكان الذي كانت فيه الوقعة بين مكة والطائف .
إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً
أي : لم تفدكم شيئا ، قليلا ولا كثيرا
وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ
بما أصابكم من الهم والغم ، حين انهزمتم
بِما رَحُبَتْ
أي على رحبها وسعتها ،
ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ
أي منهزمين . [ 26 ]
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
والسكينة ما يجعله اللّه في القلوب ، وقت القلاقل والزلازل ، والمفظعات ، ما يثبتها ، ويسكنها ، ويجعلها مطمئنة ، وهي من نعم اللّه العظيمة على العباد .
وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها
وهم الملائكة ، أنزلهم اللّه معونة للمسلمين يوم حنين ، يثبتونهم ، ويبشرونهم بالنصر .
وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا
بالهزيمة والقتل ، واستيلاء المسلمين على نسائهم وأولادهم وأموالهم .
وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ
يعذبهم اللّه في الدنيا ، ثمّ يردهم في الآخرة إلى عذاب غليظ . [ 27 ]
ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ
فتاب اللّه على كثير ممن كانت الواقعة عليهم ، وأتوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مسلمين تائبين ، فرد عليهم نساءهم ، وأولادهم .
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
أي : ذو مغفرة واسعة ، ورحمة عامة ، يعفو عن الذنوب العظيمة للتائبين ، ويرحمهم ، بتوفيقهم للتوبة والطاعة ، والصفح في جرائمهم ، وقبول توباتهم . فلا ييأسنّ أحد من رحمته ومغفرته ، ولو فعل من الذنوب والإجرام ، ما فعل . [ 28 ] يقول تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ
باللّه الّذين عبدوا معه غيره
نَجَسٌ
أي خبثاء في عقائدهم وأعمالهم . وأي نجاسة أبلغ ، ممن كان يعبد مع اللّه آلهة ، لا تنفع ولا تضر ، ولا تغني عنه شيئا ؟ وأعمالهم ما بين محاربة للّه ، وصد عن سبيل اللّه ، ونصر للباطل ، ورد للحق ، وعمل بالفساد في الأرض لا في الصلاح . فعليكم أن تطهروا أشرف البيوت وأطهرها عنهم .
فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا
وهو سنة تسع من الهجرة ، حين حج بالناس أبو بكر الصديق ، وبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ابن عمه عليا ، أن يؤذن يوم الحج الأكبر ب « براءة » ، فنادى أن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان . وليس المراد هنا ، نجاسة البدن ، فإن الكافر - كغيره - طاهر البدن ، بدليل أن اللّه تعالى أباح وطء الكتابية ومباشرتها ، ولم يأمر بغسل ما أصاب منها . والمسلمون ما زالوا يباشرون أبدان الكفار ، ولم ينقل عنهم أنهم تقذروا منها ، تقذّرهم من النجاسات . وإنّما المراد - كما تقدم - نجاستهم المعنوية ، بالشرك ، فإن كان التوحيد والإيمان ، طهارة ، فالشرك نجاسة . وقوله :
وَإِنْ خِفْتُمْ
أيها المسلمون
عَيْلَةً
أي : فقرا وحاجة ، من منع المشركين من قربان المسجد الحرام ، بأن تنقطع الأسباب التي بينكم وبينهم ، من الأمور الدنيوية ،
فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
فليس الرزق مقصورا على باب واحد ، ومحل واحد ، بل لا ينغلق باب ، إلا وفتح غيره أبواب كثيرة ، فإن فضل اللّه واسع ، وجوده عظيم ، خصوصا لمن ترك شيئا لوجه اللّه الكريم ، فإن اللّه أكرم الأكرمين . وقد أنجز اللّه وعده ، فإن اللّه قد أغنى المسلمين من فضله ، وبسط لهم من الأرزاق
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 378 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي