تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
[ 12 - 15 ] يقول تعالى : بعد ما ذكر أن المعاهدين من المشركين إن استقاموا على عهدهم فاستقيموا لهم على الوفاء :
وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ
أي : نقضوها وحلوها ، أو أعانوا على قتالكم ، أو نقصوكم ،
وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ
أي : عابوه ، وسخروا منه . ويدخل في هذا جميع أنواع الطعن الموجهة إلى الدين ، أو إلى القرآن .
فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ
أي : القادة فيه ، الرؤساء الطاعنين في دين الرحمن ، الناصرين لدين الشيطان ، وخصهم بالذكر لعظم جنايتهم ، ولأن غيرهم تبع . وليدل على أن من طعن في الدين وتصدى للرد عليه ، فإنه من أئمة الكفر .
إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ
أي : لا عهود ، ولا مواثيق ، يلازمون على الوفاء بها ، بل لا يزالون خائنين ، ناكثين للعهد ، لا يوثق منهم .
لَعَلَّهُمْ
في قتالهم إياهم
يَنْتَهُونَ
عن الطعن في دينكم ، وربما دخلوا فيه . ثمّ حث على قتالهم ، وهيج المؤمنين بذكر الأوصاف ، التي صدرت من هؤلاء الأعداء ، والتي هم موصوفون بها ، المقتضية لقتالهم فقال :
أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ
الذي يجب احترامه ، وتوقيره ، وتعظيمه ؟ وهموا أن يجلوه ويخرجوه من وطنه ، وسعوا في ذلك ما أمكنهم ،
وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
حيث نقضوا العهد ، وأعانوا عليكم ، وذلك حيث أعانت قريش - وهم معاهدون - بني بكر حلفاءهم ، على خزاعة ، حلفاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقاتلوا معهم كما هو مذكور مبسوط في السيرة .
أَ تَخْشَوْنَهُمْ
في ترك قتالهم
فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
. فاللّه أمركم بقتالهم ، وأكد ذلك عليكم غاية التأكيد . فإن كنتم مؤمنين ، فامتثلوا لأمر اللّه ، ولا تخشوهم ، فتتركوا أمر اللّه . ثمّ أمر بقتالهم وذكر ما يترتب على قتالهم من الفوائد ، وكل هذا ، حث وإنهاض للمؤمنين على قتالهم فقال :
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
بالقتل
وَيُخْزِهِمْ
إذا نصركم اللّه عليهم ، وهم الأعداء الّذين يطلب خزيهم ويحرص عليه ،
وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ
هذا وعد من اللّه وبشارة ، قد أنجزها .
وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ
فإن في قلوبهم من الحنق والغيظ عليهم ، ما يكون قتالهم وقتلهم شفاء لما في قلوب المؤمنين من الغم والهمّ ، إذ يرون هؤلاء الأعداء محاربين للّه ولرسوله ، ساعين في إطفاء نور اللّه ، وزوالا للغيظ الذي في قلوبكم ، وهذا يدل على محبة اللّه للمؤمنين ، واعتنائه بأحوالهم ، حتى إنه جعل - من جملة المقاصد الشرعية - شفاء ما في صدورهم وذهاب غيظهم . ثمّ قال :
وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ
من هؤلاء المحاربين ، بأن يوفقهم للدخول في الإسلام ، ويزينه في قلوبهم ، ويكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
يضع الأشياء مواضعها ، ويعلم من يصلح للإيمان فيهديه ، ومن لا يصلح ، فيبقيه في غيه وطغيانه . [ 16 ] يقول تعالى لعباده المؤمنين - بعد ما أمرهم بالجهاد - :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا
من دون ابتلاء وامتحان ، وأمر بما يبين به الصادق والكاذب .
وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ
أي : علما يظهر ما في القوة إلى الخارج ، ليترتب عليه الثواب والعقاب ، فيعلم الّذين يجاهدون في سبيله : لإعلاء كلمته
وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً
أي : وليا من الكافرين ، بل يتخذون اللّه ورسوله والمؤمنين أولياء . فشرع اللّه الجهاد ، ليحصل به