تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
فأبلغه مأمنه ، أي : المحل الذي يأمن فيه . والسبب في ذلك أن الكفار قوم لا يعلمون ، فربما كان استمرارهم على كفرهم لجهل منهم ، إذا زال اختاروا عليه الإسلام ، فلذلك أمر اللّه رسوله ، وأمته أسوة في الأحكام ، أن يجيروا من طلب أن يسمع كلام اللّه . وفي هذا حجة صريحة لمذهب أهل السنة والجماعة ، القائلين بأن القرآن كلام اللّه غير مخلوق ، لأنه تعالى هو المتكلم به ، وأضافه إلى نفسه إضافة الصفة إلى موصوفها ، وبطلان مذهب المعتزلة ، ومن أخذ بقولهم : أن القرآن مخلوق . وكم من الأدلة الدالة على بطلان هذا القول ، ليس هذا ، محل ذكرها . [ 7 ] هذا بيان للحكمة الموجبة ، لأن يتبرأ اللّه ورسوله من المشركين ، فقال :
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ
هل قاموا بواجب الإيمان ، أم تركوا رسول اللّه والمؤمنين من أذيتهم ؟ وحاربوا الحقّ ونصروا الباطل ؟ أما سعوا في الأرض فسادا ؟ فيحق عليهم أن يتبرأ اللّه منهم ، وأن لا يكون لهم عهد عنده ، ولا عند رسوله ؟
إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ
من المشركين
عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
فإن لهم في العهد وخصوصا في هذا المكان الفاضل ، حرمة أوجب أن يراعوا فيها .
فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
ولهذا قال :
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا
إلى قوله :
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
. [ 8 - 11 ] أي :
كَيْفَ
يكون للمشركين عند اللّه عهد وميثاق
وَ
الحال أنهم
إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ
بالقدرة والسلطة ، لا يرحموكم ، و
لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً
أي : لا ذمة ولا قرابة ، ولا يخافون اللّه فيكم ، بل يسومونكم سوء العذاب ، فهذه حالكم معهم لو ظهروا . ولا يغرنكم منهم ما يعاملونكم به وقت الخوف منكم ، فإنهم
يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ
الميل والمحبة لكم ، بل هم الأعداء حقا ، المبغضون لكم صدقا ،
وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ
لا ديانة لهم ، ولا مروءة .
اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا
أي : اختاروا الحظ العاجل الخسيس في الدنيا ، على الإيمان باللّه ، ورسوله ، والانقياد لآيات اللّه .
فَصَدُّوا
بأنفسهم ، وصدوا غيرهم
عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
.
لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً
أي : لأجل عداوتهم للإيمان وأهله . فالوصف الذي جعلهم يعادونكم لأجله ويبغضونكم هو الإيمان ، فذبوا عن دينكم ، وانصروه واتخذوا من عاداه عدوا ، ومن نصره لكم وليا ، واجعلوا الحكم يدور معه ، وجودا وعدما ، لا تجعلوا الولاية والعداوة ، طبعية تميلون بها ، حيثما مال الهوى ، وتتبعون فيها النفس الأمارة بالسوء ، ولهذا :
فَإِنْ تابُوا
عن شركهم ، ورجعوا إلى الإيمان
وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ
وتناسوا تلك العداوة إذ كانوا مشركين ، لتكونوا عباد اللّه المخلصين ، وبهذا يكون العبد عبدا حقيقة . لما بين من أحكامه العظيمة ما بين ، ووضح منها ما وضح ، أحكاما وحكما ، وحكما ، وحكمة قال :
وَنُفَصِّلُ الْآياتِ
أي : نوضحها ونميزها
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
فإليهم سياق الكلام ، وبهم تعرف الآيات والأحكام ، وبهم عرف دين الإسلام ، وشرائع الدين . اللهم اجعلنا من القوم الّذين يعلمون ، ويعملون بما يعلمون ، برحمتك وجودك ، وكرمك وإحسانك ، يا رب العالمين .