تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
الغافل ، سرعة الوصول إلى هذه الدار . [ 134 ]
إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
( 134 ) للّه ، فارين من عقابه ، فإن نواصيكم تحت قبضته ، وأنتم تحت تدبيره وتصرفه . [ 135 ]
قُلْ
يا أيها الرسول لقومك : إذا دعوتهم إلى اللّه ، وبيّنت لهم مآلهم وما عليهم من حقوقه ، فامتنعوا من الانقياد لأمره ، واتبعوا أهواءهم ، واستمروا على شركهم :
يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ
أي : على حالتكم التي أنتم عليها ، ورضيتموها لأنفسكم .
إِنِّي عامِلٌ
على أمر اللّه ، ومتبع لمراضي اللّه .
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ
أنا أو أنتم . وهذا من الإنصاف ، بموضع عظيم حيث بيّن الأعمال وعامليها ، وجعل الجزاء مقرونا بنظر البصير ، ضاربا فيه صفحا ، عن التصريح الذي يغني عنه التلويح . وقد علم أن العاقبة الحسنة ، في الدنيا والآخرة ، للمتقين . وأن المؤمنين لهم عقبى الدار ، وأن كل معرض عن ما جاءت به الرسل ، عاقبته سوء وشر ، ولهذا قال :
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
فكل ظالم ، وإن تمتع في الدنيا بما تمتع به ، فنهايته فيه ، الاضمحلال والتلف « إن اللّه ليملي للظالم ، حتى إذا أخذه لم يفلته » . [ 136 ] يخبر تعالى ، عمّا عليه المشركون المكذبون للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، من سفاهة العقل ، وخفة الأحلام ، والجهل البليغ . وعدّد تبارك وتعالى شيئا من خرافاتهم ، لينبه بذلك ، على ضلالهم ، والحذر منهم ، وأن معارضة أمثال هؤلاء السفهاء للحق ، الذي جاء به الرسول ، لا تقدح فيه أصلا ، فإنهم لا أهلية لهم في مقابلة الحقّ . فذكر من ذلك أنهم
جَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً
ولشركائهم من ذلك نصيبا . والحال أن اللّه تعالى ، هو الذي ذرأه للعباد ، وأوجده رزقا ، فجمعوا بين محذورين محظورين بل ثلاثة محاذير . منتهم على اللّه ، في جعلهم له نصيبا ، مع اعتقادهم أن ذلك منهم ، تبرع . وإشراك الشركاء ، الذين لم يرزقوهم ، ولم يوجدوا لهم شيئا في ذلك . وحكمهم الجائر ، في أن ما كان للّه ، لم يبالوا به ، ولم يهتموا ، ولو كان واصلا إلى الشركاء . وما كان لشركائهم اعتنوا به ، واحتفظوا به ، ولم يصل إلى اللّه منه شيء . وذلك أنهم إذا حصل لهم - من زروعهم وثمارهم وأنعامهم ، التي أوجدها اللّه لهم - شيء ، جعلوه قسمين : قسما قالوا : هذا للّه بقولهم وزعمهم ، وإلا فاللّه لا يقبل إلّا ما كان خالصا لوجهه ، ولا يقبل عمل من أشرك به . وقسما ، جعلوه حصة شركائهم من الأوثان والأنداد . فإن وصل شيء مما جعلوه للّه ، واختلط بما جعلوه لغيره ، لم يبالوا بذلك . وقالوا : اللّه غني عنه ، فلا يردونه . وإن وصل شيء مما جعلوه لآلهتهم إلى ما جعلوه للّه ، ردوه إلى محله . وقالوا : إنها فقيرة ، لا بد من رد نصيبها . فهل أسوأ من هذا الحكم . وأظلم ؟ حيث جعلوا ما للمخلوق ، يجتهد فيه وينصح ، ويحفظ ، أكثر مما يفعل بحق اللّه . ويحتمل أن تأويل الآية الكريمة ، ما ثبت في الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال عن اللّه تعالى أنه قال : « أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من أشرك معي شيئا تركته وشركه » . وأن معنى الآية أن ما جعلوه ، وتقربوا به لأوثانهم ، فهو تقرب خالص لغير اللّه ، ليس للّه منه شيء . وما جعلوه للّه - على زعمهم - فإنه لا يصل إليه لكونه شركا ، بل يكون حظ الشركاء والأنداد ، لأن اللّه غني عنه ، لا يقبل العمل الذي أشرك به معه أحد من الخلق . [ 137 ] ومن سفه المشركين وضلالهم ، أنه زيّن لكثير من المشركين شركاؤهم - أي : رؤساؤهم وشياطينهم - قتل أولادهم ، وهو : الوأد ، الذين يدفنون أولادهم وهم أحياء خشية الافتقار ، والإناث خشية العار . وكل هذا من خدع الشياطين ، الذين يريدون أن يردوهم بالهلاك ، ويلبسوا عليهم دينهم ، فيفعلون الأفعال التي في غاية القبح . ولا يزال شركاؤهم يزينونها لهم ، حتى تكون عندهم من الأمور الحسنة والخصال المستحسنة . ولو شاء اللّه أن يمنعهم ، ويحول بينهم وبين هذه الأفعال ، ويمنع أولادهم عن قتل الأبوين لهم ، ما فعلوه . ولكن اقتضت حكمته ، للتخلية بينهم وبين أفعالهم ، استدراجا منه لهم ، وإمهالا لهم ، وعدم مبالاة بما هم عليه ، ولهذا قال :
فَذَرْهُمْ وَما
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 304 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي