تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
وينمونها .
وَ
أنشأ تعالى
النَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ
أي : كله في محل واحد ، ويشرب من ماء واحد ، ويفضل اللّه بعضه على بعض في الأكل . وخص تعالى ، النخل ، والزرع على اختلاف أنواعه ، لكثرة منافعها ، ولكونها هي القوت لأكثر الخلق .
وَ
أنشأ تعالى
الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً
في شجره
وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ
في ثمره وطعمه . كأنه قيل : لأي شيء أنشأ اللّه هذه الجنات ، وما عطف عليها ؟ فأخبر أنه أنشأها لمنافع العباد ، فقال :
كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ
أي : النخل والزرع
إِذا أَثْمَرَ
.
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ
أي : أعطوا حق الزرع ، وهو الزكاة ذات الأنصباء المقدرة في الشرع . أمرهم أن يعطوها يوم حصادها ، وذلك لأن حصاد الزرع ، بمنزلة حولان الحول . لأنه الوقت ، الذي تتشوف إليه نفوس الفقراء ، ويسهل حينئذ إخراجه على أهل الزرع ، ويكون الأمر فيها ظاهرا ، لمن أخرجها ، حتى يتميز المخرج ممن لا يخرج . وقوله :
وَلا تُسْرِفُوا
يعم النهي عن الإسراف في الأكل ، وهو : مجاوزة الحد والعادة ، وأن يأكل صاحب الزرع أكلا يضر بالزكاة ، والإسراف في إخراج حق الزرع ، بحيث يخرج فوق الواجب عليه ، أو يضر نفسه أو عائلته أو غرماءه . فكل هذا ، من الإسراف الذي نهى اللّه عنه ، الذي لا يحبه اللّه ، بل يبغضه ويمقت عليه . وفي هذه الآية ، دليل على وجوب الزكاة في الثمار ، وأنه لا حول لها ، بل حولها ، حصادها في الزروع ، وجذاذ النخيل . وأنه لا تتكرر فيها الزكاة ، لو مكثت عند العبد أحوالا كثيرة ، إذا كانت لغير التجارة ، لأنّ اللّه لم يأمر بالإخراج منه ، إلا وقت حصاده . وأنه لو أصابها آفة قبل ذلك بغير تفريط من صاحب الزرع والثمر ، أنه لا يضمنها ، وأنه يجوز الأكل من النخل والزرع ، قبل إخراج الزكاة منه ، وأنه لا يحسب ذلك من الزكاة ، بل يزكى المال الذي يبقى بعده . وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، يبعث خارصا ، يخرص للناس ثمارهم ، ويأمره أن يدع لأهلها الثلث ، أو الربع ، بحسب ما يعتريها من الأكل وغيره ، من أهلها ، وغيرهم . [ 142 ] أي :
وَ
خلق وأنشأ
مِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً
أي : بعضها ، تحملون عليه وتركبونه ، وبعضها ، لا تصلح للحمل والركوب عليها ، لصغرها ، كالفصلان ونحوها ، وهي الفرش . فهي من جهة الحمل والركوب ، تنقسم إلى هذين القسمين . وأما من جهة الأكل ، وأنواع الانتفاع ، فإنها كلها ، تؤكل ، وينتفع بها . ولهذا قال :
كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ
أي : طرقه وأعماله ، التي من جملتها ، أن تحرموا بعض ما رزقكم اللّه .
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
فلا يأمركم إلا بما فيه مضرتكم وشقاؤكم الأبدي . [ 143 ] وهذه الأنعام التي امتنّ اللّه بها على عباده ، وجعلها كلها حلالا طيبا ، فصلها بأنها :
ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ
ذكر وأنثى
وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ
كذلك . فهذه أربعة ، كلها داخلة فيما أحل اللّه ، لا فرق بين شيء منها . فقل لهؤلاء المتكلفين ، الذين يحرمون منها شيئا دون شيء ، أو يحرمون بعضها على الإناث دون الذكور ، ملزما لهم بعدم وجود الفرق ، بين ما أباحوا منها ، وحرموا :
آلذَّكَرَيْنِ
من الضأن والمعز
حَرَّمَ
اللّه ، فلستم تقولون بذلك وتطردونه .
أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ
حرّم اللّه من الضأن والمعز ، فليس هذا قولكم ، لا تحريم الذكور الخلص ، ولا