تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
يَفْتَرُونَ
أي : دعهم مع كذبهم وافترائهم ، ولا تحزن عليهم ، فإنهم لن يضروا اللّه شيئا . [ 138 ] ومن أنواع سفاهتهم أن الأنعام التي أحلها اللّه لهم عموما ، وجعلها رزقا ورحمة ، يتمتعون بها ، وينتفعون ، قد اخترعوا فيها بدعا وأقوالا ، من تلقاء أنفسهم . فعندهم اصطلاح في بعض الأنعام والحرث أنهم يقولون فيها :
هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ
أي : محرم
لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ
أي : لا يجوز أن يطعمه أحد ، إلا من أردنا أن نطعمه ، أو وصفناه بوصف من عندنا . وكل هذا - بزعمهم - لا مستند لهم ولا حجة ، إلا أهويتهم ، وآراءهم الفاسدة . وأنعام ليست محرمة من كل وجه ، بل يحرمون ظهورها ، أي : بالركوب والحمل عليها ، ويحمون ظهرها ، ويسمونها الحام . وأنعام لا يذكرون اسم اللّه عليها ، بل يذكرون اسم أصنامهم ، وما كانوا يعبدون من دون اللّه عليها ، وينسبون تلك الأفعال إلى اللّه ، وهم كذبة فجار في ذلك .
سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ
على اللّه ، من إحلال الشرك ، وتحريم الحلال ، من الأكل ، والمنافع . [ 139 ] ومن آرائهم السخيفة أنهم يجعلون بعض الأنعام ، ويعينونها - محرما ما في بطنها ، على الإناث دون الذكور ، فيقولون :
ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا
أي : حلال لهم ، لا يشاركهم فيها النساء .
وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا
أي : نسائنا ، هذا إذا ولد حيا . وإن يكن ما في بطنها يولد ميتا ، فهم فيه شركاء ، أي : فهو حلال للذكور والإناث .
سَيَجْزِيهِمْ
اللّه
وَصْفَهُمْ
حيث وصفوا ما أحله اللّه ، بأنه حرام ، ووصفوا الحرام بالحلال ، فناقضوا شرع اللّه ، وخالفوه ، ونسبوا ذلك إلى اللّه .
إِنَّهُ حَكِيمٌ
حيث أمهل لهم ، ومكنهم مما هم فيه من الضلال .
عَلِيمٌ
بهم ، لا تخفى عليه خافية ، وهو تعالى ، يعلم بهم وبما قالوه عليه وافتروه ، وهو يعافيهم ، ويرزقهم ، جل جلاله . [ 140 ] ثمّ بيّن خسرانهم وسفاهة عقولهم فقال :
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ
أي : خسروا دينهم وأولادهم ، وعقولهم ، وصار وصفهم - بعد العقول الرزينة - السفه المردي ، والضلال .
وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ
أي : ما جعله رحمة لهم ، وساقه رزقا لهم . فردوا كرامة ربهم ، ولم يكتفوا بذلك ، بل وصفوها بأنها حرام ، وهي من أحل الحلال . وكل هذا
افْتِراءً عَلَى اللَّهِ
أي : كذب يكذب به كل معاند كفار .
قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
أي : قد ضلوا ضلالا بعيدا ، ولم يكونوا مهتدين في شيء من أمورهم . [ 141 ] لما ذكر تعالى تصرف المشركين في كثير مما أحله اللّه لهم ، من الحروث والأنعام ، ذكر تبارك وتعالى ، نعمته عليهم بذلك ، ووظيفتهم اللازمة عليهم ، في الحروث والأنعام فقال :
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ
أي : بساتين ، فيها أنواع الأشجار المتنوعة ، والنباتات المختلفة .
مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ
أي : بعض تلك الجنات ، مجعول لها عرش ، تنتشر عليه الأشجار ، ويعاونها في النهوض عن الأرض . وبعضها خال من العروش ، تنبت على ساق ، أو تنفرش في الأرض . وفي هذا تنبيه على كثرة منافعها ، وخيراتها ، وأنه تعالى ، علم العباد كيف يعرشونها ،
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 305 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي