تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
من الشر والقبائح . وهؤلاء الّذين في الظلمات يعمهون ، وفي باطلهم يترددون ، غير متساوين . فمنهم : القادة ، والرؤساء ، والمتبوعون ، ومنهم : التابعون المرءوسون . والأولون ، منهم الّذين فازوا بأشقى الأحوال ، ولهذا قال :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها
أي : الرؤساء الّذين قد كبر جرمهم ، واشتد طغيانهم
لِيَمْكُرُوا فِيها
بالخديعة والدعوة إلى سبيل الشيطان ، ومحاربة الرسل وأتباعهم ، بالقول والفعل . وإنّما مكرهم وكيدهم ، يعود على أنفسهم ، لأنهم يمكرون ، ويمكر اللّه ، واللّه خير الماكرين . وكذلك يجعل اللّه كبار أئمة الهدى وأفاضلهم ، يناضلون هؤلاء المجرمين ، ويردون عليهم أقوالهم ويجاهدونهم في سبيل اللّه ، ويسلكون بذلك السبل الموصلة إلى ذلك ، ويعينهم اللّه ، ويسدد رأيهم ، ويثبت أقدامهم ، ويداول الأيام بينهم وبين أعدائهم ، حتى يدول الأمر في عاقبته ، بنصرهم وظهورهم ، والعاقبة للمتقين . [ 124 ] وإنّما ثبت أكابر المجرمين على باطلهم ، وقاموا برد الحقّ الذي جاء به الرسل ، حسدا منهم وبغيا ، فقالوا :
لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ
من النبوة والرسالة . وفي هذا اعتراض منهم على اللّه ، وعجب بأنفسهم ، وتكبر على الحقّ الذي أنزله على أيدي رسله ، وتحجر على فضل اللّه وإحسانه . فرد اللّه عليهم اعتراضهم الفاسد ، وأخبر أنهم لا يصلحون للخير ، ولا فيهم ما يوجب أن يكونوا من عباد اللّه الصالحين ، فضلا عن أن يكونوا من النبيين والمرسلين . فقال :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
فيمن علمه يصلح لها ، ويقوم بأعبائها ، وهو متصف بكل خلق جميل ، ومتبرئ من كل خلق دنيء ، أعطاه اللّه ما تقتضيه حكمته أصلا وتبعا . ومن لم يكن كذلك ، لم يضع أفضل مواهبه ، عند من لا يستأهله ، ولا يزكو عنده . وفي هذه الآية ، دليل على كمال حكمة اللّه تعالى ، لأنه ، وإن كان تعالى رحيما ، واسع الجود ، كثير الإحسان ، فإنه حكيم لا يضع جوده إلا عند أهله . ثمّ توعد المجرمين فقال :
سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ
أي : إهانة وذل ، كما تكبروا على الحقّ ، أذلهم اللّه .
وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ
أي : بسبب مكرهم ، لا ظلما منه تعالى . [ 125 ] يقول تعالى - مبينا لعباده علامة سعادة العبد وهدايته ، وعلامة شقاوته وضلاله - : إن من انشرح صدره للإسلام ، أي : اتسع وانفسح ، فاستنار بنور الإيمان ، وحيي بضوء اليقين ، فاطمأنت بذلك نفسه ، وأحب الخير ، وطوعت له نفسه فعله ، متلذذا به - غير مستثقل - فإن هذا ، علامة ، على أن اللّه قد هداه ، ومنّ عليه بالتوفيق ، وسلوك أقوم الطريق . وأن علامة من يرد اللّه أن يضله ، أن يجعل صدره ضيقا حرجا . أي : في غاية الضيق عن الإيمان والعلم واليقين . قد انغمس قلبه في الشبهات والشهوات ، فلا يصل إليه خير ، ولا ينشرح قلبه لفعل الخير كأنه من ضيقه وشدته ، يكاد يصعد في السماء ، أي : كأنه يكلف الصعود إلى السماء ، الذي لا حيلة فيه . وهذا سببه ، عدم إيمانهم ، فهو الذي أوجب أن يجعل اللّه الرجس عليهم ، لأنهم سدوا على أنفسهم باب الرحمة والإحسان . وهذا ميزان لا يعول ، وطريق لا يتغير . فإن من أعطى واتقى ، وصدّق بالحسنى ، ييسره اللّه لليسرى . ومن بخل واستغنى وكذّب بالحسنى ، فسييسره للعسرى . [ 126 ] أي : معتدلا ، موصلا إلى اللّه ، وإلى دار كرامته ، قد بينت أحكامه ، وفصّلت شرائعه ، وميّز الخير من الشر . ولكن هذا التفصيل والبيان ، ليس لكل أحد ، إنّما هو
لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
. فإنهم الّذين علموا ، فانتفعوا بعلمهم ، وأعدّ لهم الجزاء الجزيل ، والأجر الجميل . فلهذا قال : [ 127 ]
لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ
. وسميت الجنة دار السلام ، لسلامتها من كل عيب ، وآفة وكدر ، وهمّ وغم ، وغير ذلك من المنغصات . ويلزم من ذلك ، أن يكون نعيمها : في غاية الكمال ، ونهاية التمام ، بحيث لا يقدر على وصفه الواصفون ، ولا يتمنى فوقه المتمنون ، من نعيم الروح ، والقلب ، والبدن . ولهم فيها ، ما تشتهيه الأنفس ، وتلذ الأعين ، وهم فيها خالدون .
وَهُوَ وَلِيُّهُمْ
الذي يتولى تدبيرهم وتربيتهم ، ولطف بهم في جميع
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 301 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي