تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
[ 116 ] يقول تعالى ، لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، محذرا عن طاعة أكثر الناس :
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
فإن أكثرهم قد انحرفوا في أديانهم ، وأعمالهم ، وعلومهم . فأديانهم فاسدة ، وأعمالهم تبع لأهوائهم ، وعلومهم ليس فيها تحقيق ، ولا إيصال لسواء الطريق . بل غايتهم أنهم يتبعون الظن ، الذي لا يغني من الحقّ شيئا ويتخرصون في القول على اللّه ، ما لا يعلمون . ومن كان بهذه المثابة ، فحري أن يحذر اللّه منه عباده ، ويصف لهم أحوالهم ؛ لأن هذا - وإن كان خطابا للنبي صلّى اللّه عليه وسلم - فإن أمته تبع له ، في سائر الأحكام ، التي ليست من خصائصه . [ 117 ] واللّه تعالى أصدق قيلا ، وأصدق حديثا ، و
هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ
وأعلم بمن يهتدي ويهدي . فيجب عليكم - أيها المؤمنون - أن تتبعوا نصائحه وأوامره ونواهيه لأنه أعلم بمصالحكم ، وأرحم بكم من أنفسكم . ودلت هذه الآية ، على أنه لا يستدل على الحقّ ، بكثرة أهله ، ولا تدل قلة السالكين لأمر من الأمور ، أن يكون غير حق . بل الواقع بخلاف ذلك ، فإن أهل الحقّ ، هم الأقلون عددا ، الأعظمون - عند اللّه - قدرا وأجرا . بل الواجب أن يستدل على الحقّ والباطل ، بالطرق الموصلة إليه . [ 118 ] يأمر تعالى ، عباده المؤمنين ، بمقتضى الإيمان ، وأنهم ، إن كانوا مؤمنين ، فليأكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه ، من بهيمة الأنعام ، وغيرها ، من الحيوانات المحللة ، ويعتقدوا حلها ، ولا يفعلوا كما يفعله أهل الجاهلية ، من تحريم كثير من الحلال ، ابتداعا من عند أنفسهم ، وإضلالا من شياطينهم . فذكر اللّه ، أن علامة المؤمن ، مخالفة أهل الجاهلية ، في هذه العادة الذميمة ، المتضمنة لتغيير شرع اللّه ، وأنه ، أي شيء يمنعهم من أكل ما ذكر اسم اللّه عليه ، وقد فصّل اللّه لعباده ما حرّم عليهم ، وبينه ووضحه ؟ فلم يبق فيه إشكال ولا شبهة ، توجب أن يمتنع من أكل بعض الحلال ، خوفا من الوقوع في الحرام . ودلت الآية الكريمة ، على أن الأصل في الأشياء والأطعمة ، الإباحة . وأنه ، إذا لم يرد الشرع بتحريم شيء منها ، فإنه باق على الإباحة . فما سكت اللّه عنه ، فهو حلال ، لأن الحرام قد فصّله اللّه ، فما لم يفصله اللّه ، فليس بحرام . [ 119 ] ومع ذلك ، فالحرام الذي قد فصّله اللّه وأوضحه ، قد أباحه عند الضرورة والمخمصة ، كما قال تعالى :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ
إلى أن قال :
فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
. ثمّ حذّر عن كثير من الناس ، فقال :
وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ
أي : بمجرد ما تهوى أنفسهم
بِغَيْرِ عِلْمٍ
ولا حجة . فليحذر العبد من أمثال هؤلاء ، وعلامتهم - كما وصفهم اللّه لعباده - أن دعوتهم ، غير مبنية على برهان ، ولا لهم حجة شرعية . وإنّما يوجد لهم شبه ، بحسب أهوائهم الفاسدة ، وآرائهم القاصرة . فهؤلاء ، معتدون على شرع اللّه ، وعلى عباد اللّه ، واللّه لا يحب المعتدين . بخلاف الهادين المهتدين ، فإنهم يدعون إلى الحقّ والهدى ، ويؤيدون دعوتهم بالحجج العقلية والنقلية ، ولا يتبعون في دعوتهم إلا رضا ربهم ، والقرب منه . [ 120 ] المراد بالإثم : جميع المعاصي ، التي تؤثم العبد ، أي : توقعه في الإثم ، والحرج ، من الأشياء المتعلقة بحقوق اللّه ، وحقوق عباده . فنهى اللّه عباده ، عن اقتراف الإثم الظاهر والباطن . أي : السر والعلانية ، المتعلقة بالبدن والجوارح ، والمتعلقة بالقلب . ولا يتم للعبد ، ترك المعاصي الظاهرة والباطنة ، إلا بعد معرفتها ، والبحث عنها . فيكون البحث عنها ، ومعرفة معاصي القلب ، والبدن ، والعلم بذلك ، واجبا متعينا على المكلف . وكثير من الناس ، يخفى عليه كثير من المعاصي ، خصوصا ، معاصي القلب ، كالكبر ، والعجب ، والرياء ، ونحو ذلك . حتى إنه يكون به كثير منها ، وهو لا يحس به ولا يشعر ، وهذا من الإعراض عن العلم ، وعدم البصيرة . ثمّ أخبر تعالى ، أن الّذين يكسبون الإثم الظاهر والباطن ، سيجزون على حسب كسبهم ، وعلى قدر ذنوبهم ، قلّت أو كثرت . وهذا الجزاء يكون في الآخرة . وقد يكون في الدنيا ، يعاقب العبد ، فيخفف عنه بذلك ، من سيئاته . [ 121 ] ويدخل تحت هذا المنهي عنه ، ما ذكر عليه اسم غير اللّه ، كالذي يذبح للأصنام ، وآلهة المشركين . فإن