تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
هذا ، مما أهّل لغير اللّه به ، المحرم بالنص عليه خصوصا . ويدخل في ذلك ، متروك التسمية ، مما ذبح للّه ، كالضحايا ، والهدايا ، أو للحم والأكل ، إذا كان الذابح متعمدا ترك التسمية ، عند كثير من العلماء . ويخرج من هذا العموم ، الناسي بالنصوص الأخر ، الدالة على دفع الحرج عنه . ويدخل في هذه الآية ، ما مات بغير ذكاة من الميتات ، فإنها مما لم يذكر اسم اللّه عليه . ونص اللّه عليها بخصوصها ، في قوله :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
ولعلها سبب نزول الآية ، لقوله :
وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ
بغير علم . فإن المشركين - حين سمعوا تحريم اللّه ورسوله الميتة ، وتحليله للمذكاة ، وكانوا يستحلون أكل الميتة - قالوا - معاندة للّه ورسوله ، ومجادلة بغير حجة ولا برهان - أتأكلون ما قتلتم ، ولا تأكلون ما قتل اللّه ؟ يعنون بذلك : الميتة . وهذا رأي فاسد ، لا يستند على حجة ولا دليل بل يستند إلى آرائهم الفاسدة التي لو كان الحقّ تبعا لها ، لفسدت السماوات والأرض ، ومن فيهن . فتبا لمن قدم هذه العقول ، على شرع اللّه وأحكامه ، الموافقة للمصالح العامة ، والمنافع الخاصة . ولا يستغرب هذا منهم ، فإن هذه الآراء وأشباهها ، صادرة عن وحي أوليائهم من الشياطين ، الّذين يريدون أن يضلوا الخلق عن دينهم ، ويدعوهم ليكونوا من أصحاب السعير .
وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ
في شركهم ، وتحليلهم الحرام ، وتحريمهم الحلال
إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
لأنكم اتخذتموهم أولياء من دون اللّه ، ووافقتموهم على ما به فارقوا المسلمين ، فلذلك كان طريقكم ، طريقهم . ودلت هذه الآية الكريمة ، على أن ما يقع في القلوب ، من الإلهامات ، والكشوف ، التي يكثر وقوعها عند الصوفية ونحوهم ، لا تدل - بمجردها على أنها حق ، ولا تصدق حتى تعرض على كتاب اللّه وسنّة رسوله . فإن شهدا لها بالقبول ، قبلت ، وإن ناقضتهما ، ردت ، وإن لم يعلم شيء من ذلك ، توقف فيها ، ولم تصدق ، ولم تكذب . لأن الوحي والإلهام ، يكون من الشيطان ، فلا بد من التمييز بينهما والفرقان . وبعدم التفريق بين الأمرين ، حصل من الغلط والضلال ، ما لا يحصيه إلا اللّه . [ 122 - 123 ] يقول تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ
من قبل هداية اللّه له
مَيْتاً
في ظلمات الكفر ، والجهل ، والمعاصي .
فَأَحْيَيْناهُ
بنور العلم والإيمان والطاعة ، فصار يمشي بين الناس في النور ، متبصرا في أموره ، مهتديا لسبيله ، عارفا للخير ، مؤثرا له ، مجتهدا في تنفيذه في نفسه وغيره ، عارفا بالشر ، مبغضا له ، مجتهدا في تركه وإزالته عن نفسه وعن غيره . فيستوي هذا بمن هو في الظلمات ، ظلمات الجهل والغي ، والكفر والمعاصي .
لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
قد التبست عليه الطرق ، وأظلمت عليه المسالك ، فحضره الهم والغم والحزن والشقاء . فنبه تعالى ، العقول بما تدركه وتعرفه ، أنه لا يستوي هذا ولا هذا كما لا يستوي الليل والنهار ، والضياء والظلمة ، والأحياء والأموات . فكأنه قيل : فكيف يؤثر من له أدنى مسكة من عقل ، أن يكون بهذه الحالة ، وأن يبقى في الظلمات متحيرا : فأجاب بأنه
زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
فلم يزل الشيطان يحسن لهم أعمالهم ، ويزينها في قلوبهم ، حتى استحسنوها ، ورأوها حقا . وصار ذلك عقيدة في قلوبهم ، وصفة راسخة ملازمة لهم . فلذلك رضوا بما هم عليه