تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
يفهمون الحقائق ، ولا يفقهون المعاني . بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة ، والعبارات المموهة ، فيعتقدون الحقّ باطلا والباطل حقا ، ولهذا قال تعالى :
وَلِتَصْغى إِلَيْهِ
. [ 113 ] أي : ولتميل إلى ذلك الكلام المزخرف
أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
لأن عدم إيمانهم باليوم الآخر وعدم عقولهم النافعة ، يحملهم على ذلك .
وَلِيَرْضَوْهُ
بعد أن يصغوا إليه ، فيصغون إليه أولا . فإذا مالوا إليه ، ورأوا تلك العبارات المستحسنة ، رضوه ، وزين في قلوبهم ، وصار عقيدة راسخة ، وصفة لازمة . ثمّ ينتج من ذلك ، أن يقترفوا من الأعمال والأقوال ، ما هم مقترفون . أي : يأتون من الكذب بالقول والفعل ، ما هو من لوازم تلك العقائد القبيحة . فهذه حال المفترين ، شياطين الإنس والجن ، المستجيبين لدعوتهم . وأما أهل الإيمان بالآخرة ، وأولو العقول الوافية ، والألباب الرزينة ، فإنهم لا يغترون بتلك العبارات ، ولا تخلبهم تلك التمويهات . بل همتهم ، مصروفة إلى معرفة الحقائق ، فينظرون إلى المعاني التي يدعو إليها الدعاة . فإن كانت حقا ، قبلوها ، وانقادوا لها ، ولو كسيت عبارات رديئة ، وألفاظا غير وافية . وإن كانت باطلا ، ردوها على من قالها ، كائنا من كان ، ولو ألبست من العبارات المستحسنة ، ما هو أرق من الحرير . ومن حكمته تعالى ، في جعله للأنبياء أعداء ، وللباطل أنصارا قائمين بالدعوة إليه ، أن يحصل لعباده ، الابتلاء والامتحان ، ليتميز الصادق من الكاذب ، والعاقل من الجاهل ، والبصير من الأعمى . ومن حكمته أن في ذلك بيانا للحق ، وتوضيحا له . فإن الحقّ يستنير ويتضح ، إذا قام الباطل يصارعه ويقاومه . فإنه - حينئذ - يتبين من أدلة الحقّ ، وشواهده الدالة على صدقه وحقيقته ، ومن فساد الباطل وبطلانه ، ما هو من أكبر المطالب ، التي يتنافس فيها المتنافسون . [ 114 ] أي : قل يا أيها الرسول
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً
أحاكم إليه ، وأتقيد بأوامره ونواهيه . فإن غير اللّه محكوم عليه ، لا حاكم . وكل تدبير وحكم للمخلوق فإنه مشتمل على النقص ، والعيب ، والجور . وإنّما الذي يجب أن يتخذ حاكما ، هو اللّه وحده لا شريك له ، الذي له الخلق والأمر .
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا
أي : موضحا فيه الحلال والحرام ، والأحكام الشرعية ، وأصول الدين وفروعه ، الذي لا بيان فوق بيانه ، ولا برهان أجلى من برهانه ، ولا أحسن منه حكما ، ولا أقوم قيلا ، لأن أحكامه مشتملة على الحكمة والرحمة . وأهل الكتب السابقة ، من اليهود ، والنصارى ، يعترفون بذلك و
يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ
ولهذا ، تواطأت الأخبار
فَلا
تشكن في ذلك ولا
تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
. [ 115 ] ثمّ وصف تفصيلها فقال :
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا
أي : صدقا في الإخبار ، وعدلا ، في الأمر والنهي . فلا أصدق من أخبار اللّه التي أودعها هذا الكتاب العزيز ، ولا أعدل من أوامره ونواهيه و
لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ
حيث حفظها وأحكمها بأعلى أنواع الصدق ، وبغاية الحقّ . فلا يمكن تغييرها ، ولا اقتراح أحسن منها .
وَهُوَ السَّمِيعُ
لسائر الأصوات ، باختلاف اللغات على تفنن الحاجات .
الْعَلِيمُ
الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن ، والماضي والمستقبل .