تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
وخذلان من يخذله ، وفي إعطائه ومنعه . ولهذا قال :
وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً
. [ 135 ] ثم قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ
الآيتين . يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا
قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ
. والقوام ، صيغة مبالغة ، أي : كونوا في كل أحوالكم ، قائمين بالقسط ، الذي هو العدل في حقوق اللّه ، وحقوق عباده . فالقسط في حقوق اللّه ، أن لا يستعان بنعمه على معصيته ، بل تصرف في طاعته . والقسط في حقوق الآدميين ، أن تؤدي جميع الحقوق التي عليك ، كما تطلب حقوقك . فتؤدي النفقات الواجبة ، والديون ، وتعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به ، من الأخلاق والمكافأة ، وغير ذلك . ومن أعظم أنواع القسط ، القسط في المقالات والقائلين . فلا يحكم لأحد القولين ، أو أحد المتنازعين ، لانتسابه أو ميله لأحدهما . بل يجعل وجهته ، العدل بينهما . ومن القسط أداء الشهادة ، التي عندك على أي وجه كان ، حتى على الأحباب ، بل على النفس ، ولهذا قال :
شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما
أي : فلا تراعوا الغني لغناه ، ولا الفقير - بزعمكم - رحمة له . بل اشهدوا بالحق ، على من كان . والقيام بالقسط ، من أعظم الأمور ، وأدلها على دين القائم به ، وورعه ومقامه في الإسلام . فيتعين على من نصح نفسه ، وأراد نجاتها أن يهتم له غاية الاهتمام ، وأن يجعله نصب عينيه ، ومحل إرادته ، وأن يزيل عن نفسه ، كل مانع وعائق يعوقه ، عن إرادة القسط ، أو العمل به . وأعظم عائق لذلك ، اتباع الهوى ، ولهذا ، نبه تعالى ، على إزالة هذا المانع بقوله :
فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا
أي : فلا تتبعوا شهوات أنفسكم المعارضة للحق . فإنكم - إن اتبعتموها ، عدلتم عن الصواب ، ولم توفقوا للعدل . فإن الهوى ، إما أن يعمي بصيرة صاحبه ، حتى يرى الحق باطلا ، والباطل حقا . وإما أن يعرف الحق ويتركه ، لأجل هواه . فمن سلم من هوى نفسه ، وفق للحق ، وهدي إلى الصراط المستقيم . ولما بيّن أن الواجب ، القيام بالقسط ، نهى عن ما يضاد ذلك ، وهو ليّ اللسان عن الحق ، في الشهادات وغيرها ، وتحريف النطق ، عن الصواب المقصود من كل وجه ، أو من بعض الوجوه . ويدخل في ذلك ، تحريف الشهادة ، وعدم تكميلها ، أو تأويل الشاهد على أمر آخر . فإن هذا ، من اللي ، لأنه الانحراف عن الحق .
أَوْ تُعْرِضُوا
أي : تتركوا القسط المنوط بكم ، كترك الشاهد لشهادته وترك الحاكم لحكمه ، الذي يجب عليه القيام به .
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
أي : محيطا بما فعلتم ، يعلم أعمالكم ، خفيها وجليها . وفي هذا تهديد شديد ، للذي يلوي أو يعرض . ومن باب أولى ، الذي يحكم بالباطل ، أو يشهد بالزور ، لأنه أعظم جرما . لأن الأولين ، تركا الحق ، وقام هو بالباطل . [ 136 ] اعلم أن الأمر ، إما أن يوجه إلى من لم يدخل في الشيء ولم يتصف بشيء منه . فهذا يكون أمرا له ، في الدخول فيه . وذلك كأمر من ليس بمؤمن بالإيمان كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ
الآية . وإما أن يوجه إلى من دخل في الشيء ، فهذا يكون أمره ليصحح ما وجد منه ويحصل ما لم يوجد . ومنه ما ذكره اللّه في هذه الآية ، من أمر المؤمنين بالإيمان . فإن ذلك يقتضي أمرهم بما يصحح إيمانهم ، من