تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
أعمالهم ، مراءاة الناس . يقصدون رؤية الناس ، وتعظيمهم ، واحترامهم ، ولا يخلصون للّه . فلهذا
لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
لامتلاء قلوبهم من الرياء . فإن ذكر اللّه تعالى ، وملازمته ، لا يكون إلا من مؤمن ، ممتلئ قلبه ، بمحبة اللّه وعظمته . [ 143 ]
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ
أي : مترددين ، بين فريق المؤمنين ، وفريق الكافرين . فلا من المؤمنين ظاهرا وباطنا ، ولا من الكافرين ظاهرا وباطنا . أعطوا باطنهم للكافرين ، وظاهرهم للمؤمنين ، وهذا أعظم ضلال يقدر . ولهذا قال :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
أي : لن تجد طريقا لهدايته ، ولا وسيلة لترك غوايته ، لأنه انغلق عنه باب الرحمة ، وصار بدله ، كل نقمة . فهذه الأوصاف المذمومة ، تدل - بتنبيهها - على أن المؤمنين ، متصفون بضدها ، من الصدق والإخلاص ، ظاهرا وباطنا . وأنهم لا يجهل ما عندهم ، من النشاط في صلاتهم ، وعباداتهم ، وكثرة ذكرهم للّه تعالى . وأنهم قد هداهم اللّه ، ووفقهم للصراط المستقيم . فليعرض العاقل نفسه على هذين الأمرين ، وليختر أيهما أولى به ، واللّه المستعان . [ 144 ] ولما ذكر أن من صفات المنافقين ، اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، نهى عباده المؤمنين أن يتصفوا بهذه الحالة القبيحة ، وأن يشابهوا المنافقين ، فإن ذلك موجب لأن
تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً
أي : حجة واضحة على عقوبتكم . فإنه قد أنذرنا وحذرنا منها ، وأخبرنا بما فيها من المفاسد . فسلوكها - بعد هذا - موجب للعقاب . وهذه الآية ، دليل على كمال عدل اللّه ، وأن اللّه لا يعذب أحدا ؛ قبل قيام الحجة عليه . وفيه التحذير من المعاصي ؛ فإن فاعلها يجعل للّه عليه سلطانا مبينا . [ 145 ] يخبر تعالى ، عن مآل المنافقين ، أنهم في أسفل الدركات من العذاب ، وأشر الحالات من العقاب . فهم تحت سائر الكفار ، لأنهم شاركوهم بالكفر باللّه ، ومعاداة رسله . وزادوا عليهم ، المكر والخديعة ، والتمكن من كثير من أنواع العداوة للمؤمنين ، على وجه لا يشعر به ولا يحس . ورتبوا على ذلك ، جريان أحكام الإسلام عليهم ، واستحقاق ما لا يستحقونه . فبذلك ونحوه ، استحقوا أشد العذاب . [ 146 ] وليس لهم منقذ من عذابه ، ولا ناصر يدفع عنهم بعض عقابه . وهذا عام لكل منافق ، إلا من منّ اللّه عليهم بالتوبة من السيئات .
وَأَصْلَحُوا
له الظواهر والبواطن
وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ
والتجئوا إليه ، في جلب منافعهم ، ودفع المضار عنهم .
وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ
الذي هو الإسلام ، والإيمان والإحسان
لِلَّهِ
. فقصدوا وجه اللّه ، بأعمالهم الظاهرة والباطنة ، وسلموا من الرياء والنفاق . فمن اتصف بهذه الصفات
فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ
أي : في الدنيا ، والبرزخ ، ويوم القيامة .
وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً
لا يعلم كنهه إلا اللّه ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . وتأمل كيف خص الاعتصام والإخلاص ، بالذكر مع دخولهما في قوله :
وَأَصْلَحُوا
لأن الاعتصام والإخلاص ، من جملة الإصلاح ، لشدة الحاجة إليهما ، خصوصا في هذا المقام الحرج ، الذي تمكن فيه النفاق من القلوب . فلا يزيله إلا شدة الاعتصام باللّه ، ودوام اللجأ والافتقار إليه ، في