تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
الأحكام ، لا يتم ، ولا يكمل ، إلا بوجود مقتضيه ، وانتفاء موانعه . فمن ذلك ، هذا الحكم الكبير ، الذي هو الصلح . فذكر تعالى المقتضي لذلك ، ونبه على أنه خير ، والخير كل عامل يطلبه ، ويرغب فيه . فإن كان - مع ذلك - قد أمر اللّه به ، وحث عليه ازداد المؤمن طلبا له ، ورغبة فيه . وذكر المانع بقوله :
وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ
أي : جبلت النفوس على الشح ، وهو : عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان ، والحرص على الحق الذي له . فالنفوس مجبولة على ذلك طبعا . أي ينبغي لكم ، أن تحرصوا على قلع هذا الخلق الدنيء ، من نفوسكم ، وتستبدلوا به ضده وهو : السماحة ، وهو بذل الحق الذي عليك ، والاقتناع ببعض الحق الذي لك . فمتى وفق الإنسان لهذا الخلق الحسن ، سهل - حينئذ - عليه الصلح بينه وبين خصمه ومعامله ، وتسهلت الطريق للوصول إلى المطلوب . بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشح من نفسه ، فإنه يعسر عليه الصلح والموافقة ، لأنه لا يرضيه إلا جميع ماله ، ولا يرضى أن يؤدي ما عليه . فإن كان خصمه مثله ، اشتد الأمر . ثم قال :
وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا
أي : تحسنوا في عبادة الخالق ، بأن يعبد العبد ربه ، كأنه يراه ، فإن لم يكن يراه ، فإنه يراه . وتحسنوا إلى المخلوقين ، بجميع طرق الإحسان ، من نفع بمال ، أو علم ، أو جاه ، أو غير ذلك .
وَتَتَّقُوا
اللّه ، بفعل جميع المأمورات ، وترك جميع المحظورات . أو تحسنوا بفعل المأمور ، وتتقوا بترك المحظور .
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
قد أحاط به ، علما وخبرا ، بظاهره وباطنه ، فيحفظه لكم ، ويجازيكم عليه ، أتم الجزاء . [ 129 ] يخبر تعالى : أن الأزواج لا يستطيعون ، وليس في قدرتهم العدل التام بين النساء . وذلك ، لأن العدل : يستلزم وجود المحبة على السواء ، والداعي على السواء ، والميل في القلب إليهن على السواء ، ثم العمل بمقتضى ذلك . وهذا متعذر غير ممكن ، فلذلك عفا اللّه ، عمّا لا يستطاع ونهى عمّا هو ممكن بقوله :
فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ
أي : لا تميلوا ميلا كثيرا ، بحيث لا تؤدون حقوقهن الواجبة . بل افعلوا ما هو باستطاعتكم في العدل . فالنفقة والكسوة ، والقسم ونحوها ، عليكم أن تعدلوا بينهن فيها . بخلاف الحب ، والوطء ونحو ذلك ، فإن الزوجة ، إذا ترك زوجها ، ما يجب لها ، صارت كالمعلقة ، التي لا زوج لها فتستريح وتستعد للتزوج ، ولا ذات زوج ، يقوم بحقوقها .
وَإِنْ تُصْلِحُوا
ما بينكم وبين زوجاتكم . وبإجبار أنفسكم على فعل ما لا تهواه النفس ، احتسابا وقياما بحق الزوجة . وتصلحوا أيضا ، فيما بينكم وبين الناس . وتصلحوا أيضا بين الناس ، فيما تنازعوا فيه . وهذا يستلزم الحث على كل طريق يوصل إلى الصلح مطلقا كما تقدم .
وَتَتَّقُوا
اللّه بفعل المأمور وترك المحظور ، والصبر على المقدور .
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
يغفر ما صدر منكم ، من الذنوب ، والتقصير في الحق الواجب ، ويرحمكم كما عطفتم على أزواجكم ورحمتموهن . [ 130 ] هذه الحالة الثالثة بين الزوجين ، إذا تعذر الاتفاق ، فإنه لا بأس بالفراق . فقال :
وَإِنْ يَتَفَرَّقا
أي : بطلاق ، أو فسخ ، أو خلع ، أو غير ذلك .
يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا
من الزوجين
مِنْ سَعَتِهِ
أي : من فضله ،
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 221 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي