تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
إبراهيم خليلا ، لأنه وفّى بما أمر به ، وقام بما ابتلي به . فجعله اللّه إماما للناس ، واتخذه خليلا ، ونوه بذكره في العالمين . [ 126 ] وهذه الآية الكريمة ، فيها بيان إحاطة اللّه تعالى بجميع الأشياء . فأخبر أن له
ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
أي : الجميع ملكه وعبيده . فهم المملوكون ، وهو المالك المتفرد بتدبيرهم . وقد أحاط علمه بجميع المعلومات ، وبصره بجميع المبصرات ، وسمعه بجميع المسموعات ، ونفذت مشيئته وقدرته ، بجميع الموجودات ، ووسعت رحمته أهل الأرض والسماوات ، وقهر بعزه وقهره ، كل مخلوق ، ودانت له جميع الأشياء . [ 127 ] الاستفتاء : طلب السائل من المسؤول ، بيان الحكم الشرعي في ذلك المسؤول عنه . فأخبر عن المؤمنين ، أنهم يستفتون الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، في حكم النساء المتعلق بهم فتولى اللّه هذه الفتوى بنفسه فقال :
قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ
فاعملوا على ما أفتاكم به ، في جميع شؤون النساء ، من القيام بحقوقهن ، وترك ظلمهن ، عموما وخصوصا . وهذا أمر عام ، يشمل جميع ما شرع اللّه ، أمرا ، ونهيا ، في حق النساء ، الزوجات وغيرهن ، الصغار والكبار . ثم خص - بعد التعميم - الوصية بالضعاف ، من اليتامى ، والولدان ، اهتماما بهم ، وزجرا عن التفريط في حقوقهم فقال :
وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ
أي : ويفتيكم أيضا ، بما يتلى عليكم في الكتاب ، في شأن اليتامى من النساء .
اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ
. وهذا إخبار عن الحالة الموجودة الواقعة في ذلك الوقت . فإن اليتيمة ، إذا كانت تحت ولاية الرجل ، بخسها حقها ، وظلمها ، إما بأكل مالها الذي لها ، أو بعضه ، أو منعها من التزوج ، لينتفع بمالها ، خوفا من استخراجه من يده ، إن زوجها ، أو يأخذ من صهرها ، الذي تتزوج به ، بشرط أو غيره ، هذا إذا كان راغبا عنها . أو يرغب فيها وهي ذات جمال ومال ، ولا يقسط في مهرها ، بل يعطيها دون ما تستحق . فكل هذا ظلم يدخل تحت هذا النص ، ولهذا قال :
وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ
أي : ترغبون عن نكاحهن ، أو في نكاحهن كما ذكرنا تمثيله .
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ
أي : ويفتيكم في المستضعفين من الولدان الصغار ، أن تعطوهم حقهم ، من الميراث ، وغيره ، وأن لا تستولوا على أموالهم ، على وجه الظلم والاستبداد .
وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ
أي : بالعدل التام . وهذا يشمل القيام عليهم ، بإلزامهم أمر اللّه ، وما أوجبه على عباده ، فيكون الأولياء ، مكلفين بذلك ، يلزمونهم بما أوجبه اللّه . ويشمل القيام عليهم ، في مصالحهم الدنيوية ، بتنمية أموالهم ، وطلب الأحظ لهم فيها ، وأن لا يقربوها إلا بالتي هي أحسن . وكذلك لا يحابون فيهم ، صديقا ولا غيره ، في تزوج وغيره ، على وجه الهضم لحقوقهم . وهذا من رحمته تعالى بعباده ، حيث حث غاية الحث ، على القيام بمصالح من لا يقوم بمصلحة نفسه ، لضعفه ، وفقد أبيه . ثم حث على الإحسان عموما ، فقال :
وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ
لليتامى ولغيرهم ، سواء كان الخير متعديا ، أو لازما .
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً
أي : قد أحاط علمه بعمل العاملين للخير ، قلة وكثرة ، حسنا وضده ، فيجازي كلا بحسب عمله . [ 128 ] أي : إذا خافت المرأة نشوز زوجها ، أي ترفعه عنها ، وعدم رغبته فيها ، وإعراضه عنها ، فالأحسن في هذه الحالة ، أن يصلحا بينهما صلحا ، بأن تسمح المرأة عن بعض حقوقها اللازمة لزوجها ، على وجه تبقى مع زوجها . إما أن ترضى بأقل من الواجب لها من النفقة ، أو الكسوة ، أو المسكن ، أو القسم ، بأن تسقط حقها منه . أو تهب يومها وليلتها ، لزوجها ، أو لضرتها . فإذا اتفقا على هذه الحالة ، فلا جناح ولا بأس عليهما فيها ، لا عليها ، ولا على الزوج . فيجوز حينئذ لزوجها ، البقاء معها على هذه الحال ، وهي خير من الفرقة . ولهذا قال :
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ
. ويؤخذ من عموم هذا اللفظ والمعنى ، أن الصلح بين من بينهما حق أو منازعة في جميع الأشياء ، أنه خير من استقصاء كل منهما على كل حقه ، لما فيه من الإصلاح ، وبقاء الألفة ، والاتصاف بصفة السماح . وهو جائز في جميع الأشياء ، إلا إذا أحل حراما ، أو حرّم حلالا ، فإنه لا يكون صلحا ، وإنما يكون جورا . واعلم أن كل حكم من
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 220 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي