تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
وإحسانه الواسع الشامل . فيغني الزوج بزوجة ، خير له منها ، ويغنيها من فضله . وإن انقطع نصيبها من زوجها ، فإن رزقها على المتكفل بأرزاق جميع الخلق ، القائم بمصالحهم ، ولعل اللّه يرزقها ، زوجا خيرا منه .
وَكانَ اللَّهُ واسِعاً
أي : كثير الفضل ، واسع الرحمة . وصلت رحمته وإحسانه ، إلى حيث وصل إليه علمه . وكان - مع ذلك -
حَكِيماً
أي : يعطي بحكمته ، ويمنع لحكمته . فإذا اقتضت حكمته منع بعض عباده ، من إحسانه ، بسبب في العبد ، لا يستحق معه الإحسان - حرمه ، عدلا وحكمة . [ 131 ] يخبر تعالى ، عن عموم ملكه العظيم الواسع ، المستلزم تدبيره ، بجميع أنواع التدبير ، وتصرفه بأنواع التصريف ، قدرا ، وشرعا . فتصرفه الشرعي ، أن وصى الأولين والآخرين ، أهل الكتب السابقة واللاحقة - بالتقوى المتضمنة للأمر والنهي ، وتشريع الأحكام ، والمجازاة لمن قام بهذه الوصية ، بالثواب ، والمعاقبة لمن أهملها وضيعها ، بأليم العذاب . ولهذا قال :
وَإِنْ تَكْفُرُوا
بأن تتركوا تقوى اللّه ، وتشركوا باللّه ما لم ينزل به عليكم سلطانا ، فإنكم لا تضرون بذلك ، إلا أنفسكم ، ولا تضرون اللّه شيئا ، ولا تنقصون ملكه . وله عبيد خير منكم ، وأعظم ، وأكثر ، مطيعون له ، خاضعون لأمره . ولهذا رتب على ذلك قوله :
وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً
له الجود الكامل والإحسان الشامل الصادر من خزائن رحمته ، التي لا ينقصها الإنفاق ، ولا يغيضها نفقة ، سحاء الليل والنهار . لو اجتمع أهل السماوات ، وأهل الأرض ، أولهم وآخرهم ، فسأل كل واحد منهم ، ما بلغت أمانيه ، ما نقص من ملكه شيئا . ذلك بأنه جواد واجد ماجد ، عطاؤه كلام ، وعذابه كلام .
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
. ومن تمام غناه ، أنه كامل الأوصاف . إذ لو كان فيه نقص بوجه من الوجوه ، لكان فيه نوع افتقار إلى ذلك الكمال . بل ، له كل صفة كمال ، ومن تلك الصفة كمالها . ومن تمام غناه ، أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، ولا شريكا في ملكه ، ولا ظهيرا ، ولا معاونا له على شيء ، من تدابير ملكه . ومن كمال غناه ، افتقار العالم العلوي والسفلي ، في جميع أحوالهم وشؤونهم ، إليه ، وسؤالهم إياه ، جميع حوائجهم الدقيقة والجليلة . فقام تعالى بتلك المطالب والأسئلة ، وأغناهم وأقناهم ، ومنّ عليهم بلطفه ، وهداهم . وأما الحميد ، فهو من أسماء اللّه تعالى الجليلة ، الدال على أنه هو المستحق لكل حمد ، ومحبة ، وثناء وإكرام . وذلك لما اتصف به من صفات الحمد ، التي هي صفة الجمال والجلال ، ولما أنعم به على خلقه من النعم الجزال ، فهو المحمود على كل حال . وما أحسن اقتران هذين الاسمين الكريمين الغنى الحميد فإنه غني محمود ، فله كمال من غناه ، وكمال من حمده ، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر . [ 132 ] ثم كرر إحاطة ملكه ، لما في السماوات والأرض ، وأنه على كل شيء وكيل . أي : عالم قائم بتدبير الأشياء ، على وجه الحكمة ، فإن ذلك ، من تمام الوكالة . فإن الوكالة تستلزم العلم ، بما هو وكيل عليه ، والقوة ، والقدرة على تنفيذه وتدبيره وكون ذلك التدبير على وجه الحكمة والمصلحة . فما نقص من ذلك ، فهو لنقص بالوكيل . واللّه تعالى منزه عن كل نقص . أي : هو الغني الحميد الذي له القدرة الكاملة والمشيئة النافذة فيكم . [ 133 ]
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ
غيركم ، هم أطوع للّه منكم وخير منكم . وفي هذا تهديد للناس على إقامتهم على كفرهم ، وإعراضهم عن ربهم ، فإن اللّه لا يعبأ بهم شيئا ، إن لم يطيعوه ، ولكنه يمهل ، ويملي ، ولا يهمل . [ 134 ] ثم أخبر أن من كانت همته وإرادته دنية ، غير متجاوزة ثواب الدنيا ، وليس له إرادة في الآخرة ، فإنه قد قصر سعيه ونظره ، ومع ذلك فلا يحصل له من ثواب الدنيا ، سوى ما كتب اللّه له منها . فإنه تعالى ، هو المالك لكل شيء ، الذي عنده ثواب الدنيا والآخرة ، فليطلبا منه ، وليستعن به عليهما . فإنه لا ينال ما عنده إلا بطاعته ، ولا تدرك الأمور الدينية والدنيوية إلا بالاستعانة به ، والافتقار إليه على الدوام . وله الحكمة تعالى ، في توفيق من يوفقه ،