تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
أي : يتثاقل عن الجهاد في سبيل اللّه ، ضعفا ، وخورا ، وجبنا . هذا هو الصحيح . وقيل معناه : ليبطئن غيره ، أي يزهده عن القتال ، وهؤلاء هم المنافقون ولكن الأول أولى ، لوجهين : أحدهما : قوله :
مِنْكُمْ
والخطاب للمؤمنين . والثاني : قوله في آخر الآية :
كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ
. فإن الكفار ، من المشركين ، والمنافقين ، قد قطع اللّه بينهم ، وبين المؤمنين المودة . وأيضا ، فإن هذا هو الواقع ، فإن المؤمنين على قسمين : صادقون في إيمانهم ، أوجب لهم ذلك كمال التصديق والجهاد . وضعفاء ، دخلوا في الإسلام ، فصار معهم إيمان ضعيف ، لا يقوى على الجهاد . كما قال تعالى :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
إلى آخر الآيات . ثم ذكر غايات هؤلاء المتثاقلين ، ونهاية مقاصدهم ، وأن معظم قصدهم ، الدنيا وحطامها فقال :
فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ
أي : هزيمة ، وقتل ، وظفر الأعداء عليكم في بعض الأحوال ، لما للّه في ذلك من الحكم .
قالَ
ذلك المتخلف
قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً
. أي - من ضعف عقله وإيمانه - أن التقاعد عن الجهاد - الذي فيه تلك المصيبة - نعمة . ولم يدر أن النعمة الحقيقية ، هي التوفيق لهذه الطاعة الكبيرة ، التي بها يقوى الإيمان ، ويسلم بها العبد من العقوبة والخسران ، ويحصل له فيها عظيم الثواب ، ورضا الكريم الوهاب . وأما القعود ، فإنه ، وإن استراح قليلا ، فإنه يعقبه تعب طويل ، وآلام عظيمة ، ويفوته ما يحصل للمجاهدين ( أي من الأجر العظيم ) . [ 73 ] ثم قال :
وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ
أي : نصر وغنيمة [ ما يحصل للمجاهدين ] « 1 »
لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً
. أي : يتمنى أنه حاضر ، لينال من المغانم . ليس له رغبة ، ولا قصد ، في غير ذلك . كأنه ليس منكم ، يا معشر المؤمنين - ولا بينكم ، وبينه المودة الإيمانية ، التي من مقتضاها أن المؤمنين مشتركون في جميع مصالحهم ، ودفع مضارهم ، يفرحون بحصولها ، ولو على يد غيرهم ، من إخوانهم المؤمنين ، ويألمون بفقدها ، ويسعون جميعا ، في كل أمر يصلحون به دينهم ودنياهم . فهذا الذي يتمنى الدنيا فقط ، ليست معه الروح الإيمانية المذكورة . [ 74 ] ومن لطف اللّه بعباده ، أن لا يقطع عنهم رحمته ، ولا يغلق عنهم أبوابها . بل من حصل على غير ما يليق أمره ، دعاه إلى جبر نقصه ، وتكميل نفسه . فلهذا أمر هؤلاء ، بالإخلاص ، والخروج في سبيله فقال :
فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ
. هذا أحد الأقوال في هذه الآية ، وهو أصحها . وقيل : إن معناه ، فليقاتل في سبيل اللّه ، المؤمنون الكاملو الإيمان ، الصادقون في إيمانهم .
الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ
أي : يبيعون الدنيا ، رغبة عنها ، بالآخرة رغبة فيها . فإن هؤلاء الّذين يوجه إليهم الخطاب ، لأنهم ، الّذين قد أعدوا أنفسهم ، ووطنوها على جهاد الأعداء لما معهم من الإيمان التام ، المقتضي لذلك . وأما أولئك
هامش
( 1 ) سقط من المطبوعة التي بين أيدينا وهو موافق للسياق .
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 197 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي