تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
ورسوله . ومن أحسن من اللّه حكما لقوم يوقنون . [ 63 ] ولهذا قال :
أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ
أي : من النفاق والقصد السيّئ .
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
أي : لا تبال لهم ولا تقابلهم على ما فعلوه واقترفوه .
وَعِظْهُمْ
أي : بين لهم حكم اللّه تعالى ، مع الترغيب في الانقياد للّه ، والترهيب من تركه .
وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً
أي : أنصحهم سرا ، بينك وبينهم ، فإنه أنجح لحصول المقصود ، وبالغ في زجرهم وقمعهم ، عمّا كانوا عليه . وفي هذا دليل على أن مقترف المعاصي ، وإن أعرض عنه ، فإنه ينصح سرا ، ويبالغ في وعظه ، بما يظن حصول المقصود به . [ 64 ] يخبر تعالى خبرا ، في ضمنه الأمر ، والحث على طاعة الرسول ، والانقياد له . وأن الغاية من إرسال الرسل ، أن يكونوا مطاعين ، ينقاد لهم المرسل إليهم في جميع ما أمروا به ، ونهوا عنه ، وأن يكونوا معظمين ، تعظيم المطاع من المطيع . وفي هذا إثبات عصمة الرسل ، فيما يبلغونه عن اللّه ، وفيما يأمرون به وينهون عنه ؛ لأن اللّه ، أمر بطاعتهم مطلقا ، فلو لا أنهم معصومون لا يشرعون ما هو خطأ ، لما أمر بذلك مطلقا . وقوله :
بِإِذْنِ اللَّهِ
أي : الطاعة من المطيع ، صادرة بقضاء اللّه وقدره . ففيه إثبات القضاء والقدر ، والحث على الاستعانة باللّه ، وبيان أنه لا يمكن الإنسان - إن لم يعنه اللّه - أن يطيع الرسول . ثم أخبر عن كرمه العظيم وجوده ، ودعوته لمن اقترفوا السيئات - أن يعترفوا ويتوبوا ، ويستغفروا اللّه فقال :
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ
أي : معترفين بذنوبهم ، باخعين بها .
فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً
أي : لتاب عليهم بمغفرته ظلمهم ، ورحمهم بقبول التوبة والتوفيق لها ، والثواب عليها . وهذا المجيء إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، مختص بحياته ؛ لأن السياق يدل على ذلك ، لكون الاستغفار من الرسول ، لا يكون إلا في حياته . وأما بعد موته ، فإنه لا يطلب منه شيء ، بل ذلك شرك . [ 65 ] ثم أقسم تعالى بنفسه الكريمة ، أنهم لا يؤمنون ، حتى يحكموا رسوله ، فيما شجر بينهم أي : في كل شيء يحصل فيه اختلاف . بخلاف مسائل الإجماع ، فإنها لا تكون إلا مستندة للكتاب والسنّة . ثم لا يكفي هذا التحكيم ، حتى ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق ، وكونهم يحكمونه على وجه الإغماض . ثم لا يكفي هذا التحكيم ، حتى يسلموا لحكمه تسليما ، بانشراح صدر ، وطمأنينة نفس ، وانقياد بالظاهر والباطن . فالتحكيم في مقام الإسلام ، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان ، والتسليم في مقام الإحسان . فمن استكمل هذه المراتب ، وكملها ، فقد استكمل مراتب الدين كلها . ومن ترك هذا التحكيم المذكور ، غير ملتزم له فهو كافر . ومن تركه - مع التزامه - فله حكم أمثاله من العاصين . [ 66 ] يخبر تعالى ، أنه لو كتب على عباده ، الأوامر الشاقة على النفوس ، من قتل النفوس ، والخروج من الديار ، لم يفعله إلا القليل منهم والنادر . فليحمدوا ربهم ، وليشكروه ، على تيسير ما أمرهم به ، من الأوامر التي تسهل على كل أحد ، ولا يشق فعلها . وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي ، أن يلحظ العبد ، ضد ما هو فيه ، من المكروهات ، لتخف