تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
ذلك ، خوفا من الناس ، وضعفا وخورا :
رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ
؟ وفي هذا تضجرهم ، واعتراضهم على اللّه . وكان الذي ينبغي لهم ، ضد هذه الحال - التسليم لأمر اللّه ، والصبر على أوامره . فعكسوا الأمر المطلوب منهم ، فقالوا :
لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ
أي : هلّا أخرت فرض القتال ، مدة متأخرة عن الوقت الحاضر وهذه الحال ، كثيرا ما تعرض لمن هو غير رزين ، واستعجل في الأمور قبل وقتها . فالغالب عليه ، أنه لا يصبر عليها وقت حلولها ، ولا ينوء بحملها ، بل يكون قليل الصبر . ثم إن اللّه وعظهم عن هذه الحال ، التي فيها التخلف عن القتال فقال :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى
أي : التمتع بلذات الدنيا وراحتها ، قليل . فتحمل الأثقال في طاعة اللّه ، في المدة القصيرة ، مما يسهل على النفوس ويخف عليها . لأنها ، إذا علمت أن المشقة التي تنالها ، لا يطول لبثها ، هان عليها ذلك . فكيف إذا وازنت بين الدنيا والآخرة ، وأن الآخرة خير منها ، في ذاتها ، ولذاتها ، وزمانها : فذاتها - كما ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الثابت عنه - « أن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها » . ولذاتها ، صافية عن المكدرات ، بل كل ما خطر بالبال ، أو دار في الفكر ، من تصور لذة - فلذة الجنة فوق ذلك كما قال تعالى :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
. وقال اللّه على لسان نبيه : « أعددت لعبادي الصالحين ، ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » . وأما لذات الدنيا ، فإنها مشوبة بأنواع التنغيص ، الذي لو قوبل بين لذاتها ، وما يقترن بها من أنواع الآلام ، والهموم والغموم ، لم يكن لذلك نسبة بوجه من الوجوه . وأما زمانها ، فإن الدنيا منقضية ، وعمر الإنسان - بالنسبة إلى الدنيا - شيء يسير . وأما الآخرة ، فإنها دائمة النعيم ، وأهلها خالدون فيها . فإذا فكّر العاقل في هاتين الدارين ، وتصور حقيقتهما حق التصور ، عرف ما هو أحق بالإيثار ، والسعي له ، والاجتهاد لطلبه ، ولهذا قال :
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى
أي : اتقى الشرك ، وسائر المحرمات .
وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا
أي : فسعيكم للدار الآخرة ، ستجدونه كاملا موفرا ، غير منقوص منه شيئا . [ 78 ] ثم أخبر أنه لا يغني حذر عن قدر ، وأن القاعد لا يدفع عنه قعوده شيئا فقال :
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ
أي : في أي زمان ، وأي مكان .
وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
أي : قصور منيعة ، ومنازل رفيعة . وكل هذا حث على الجهاد في سبيل اللّه ، تارة بالترغيب في فضله وثوابه ، وتارة بالترهيب من عقوبة تركه ، وتارة بالإخبار أنه لا ينفع القاعدين قعودهم ، وتارة بتسهيل الطريق في ذلك ، وقصرها . ثم قال :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ
الآية . يخبر تعالى ، عن الّذين لا يعلمون ، المعرضين عمّا جاءت به الرسل ، المعارضين لهم : أنهم إذا جاءتهم حسنة ، أي : خصب وكثرة أموال ، وتوفر أولاد وصحة ، قالوا :
هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
وأنهم ، إن أصابتهم سيئة أي : جدب ، وفقر ، ومرض ، وموت أولاد وأحباب قالوا :
هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ
أي : بسبب ما جئتنا به يا محمد . تطيروا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كما تطير أمثالهم برسل اللّه ، كما أخبر اللّه عن قوم فرعون أنهم إذا
جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ
. وقال قوم صالح :
اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ
. وقال قوم ياسين لرسلهم :
إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ