تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ
الآية . فلما تشابهت قلوبهم بالكفر ، تشابهت أقوالهم وأفعالهم . وهكذا كل من نسب حصول الشر ، أو زوال الخير ، لما جاءت به الرسل أو لبعضه ، فهو داخل في هذا الذم الوخيم . قال اللّه في جوابهم :
قُلْ كُلٌّ
أي : من الحسنة والسيئة ، والخير والشر .
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
أي : بقضائه وقدره ، وخلقه .
فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ
أي : الصادر منهم تلك المقالة الباطلة .
لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً
أي : لا يفهمون حديثا بالكلية ، ولا يقربون من فهمه ، أو لا يفهمون منه إلا فهما ضعيفا . وعلى كل ، فهو ذم لهم وتوبيخ على عدم فهمهم وفقههم عن اللّه ، وعن رسوله ، وذلك بسبب كفرهم وإعراضهم . وفي ضمن ذلك ، مدح من يفهم عن اللّه وعن رسوله ، والحث على ذلك ، وعلى الأسباب المعينة على ذلك ، من الإقبال على كلامهما وتدبره ، وسلوك الطرق الموصلة إليه . فلو فقهوا عن اللّه ، لعلموا أن الخير والشر ، والحسنات والسيئات ، كلها بقضاء اللّه وقدره ، لا يخرج منها شيء عن ذلك . وأن الرسل ، عليهم الصلاة والسّلام ، لا يكونون سببا لشر يحدث ، لا هم ، ولا ما جاءوا به ، لأنهم بعثوا بمصالح الدنيا والآخرة والدين . [ 79 ] ثم قال تعالى :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ
أي : في الدين والدنيا
فَمِنَ اللَّهِ
هو الذي منّ بها ويسرها بتيسير أسبابها .
وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ
في الدين والدنيا
فَمِنْ نَفْسِكَ
أي : بذنوبك وكسبك ، وما يعفو اللّه عنه أكثر . فاللّه تعالى ، قد فتح لعباده أبواب إحسانه ، وأمرهم بالدخول لبره وفضله ، وأخبرهم أن المعاصي مانعة من فضله . فإذا فعلها العبد ، فلا يلومن إلا نفسه ، فإنه المانع لنفسه ، عن وصول فضل اللّه وبره . ثم أخبر عن عموم رسالة رسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم فقال :
وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
على أنك رسول اللّه حقا بما أيدك بنصره ، والمعجزات الباهرة ، والبراهين الساطعة ، فهي أكبر شهادة على الإطلاق . كما قال تعالى :
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ ( 21 ) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ
( 22 ) . فإن علم أن اللّه تعالى ، كامل العلم ، وتام القدرة ، عظيم الحكمة ، وقد أيد اللّه رسوله بما أيده ، ونصره نصرا عظيما ، تيقن بذلك أنه رسول اللّه . وإلا فلو تقول عليه بعض الأقاويل ، لأخذ منه باليمين ، ثم لقطع منه الوتين . [ 80 ] أي : كل من أطاع رسول اللّه في أوامره ونواهيه
فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
تعالى ، لكونه لا يأمر ولا ينهى ، إلا بأمر اللّه ، وشرعه ، ووحيه وتنزيله . وفي هذا عصمة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لأن اللّه أمر بطاعته مطلقا فلو لا أنه معصوم في كل ما يبلغ عن اللّه ، لم يأمر بطاعته مطلقا ، ويمدح على ذلك . وهذا من الحقوق المشتركة ، فإن الحقوق ثلاثة : حق اللّه تعالى ، لا يكون لأحد من الخلق ، وهو عبادة اللّه ، والرغبة إليه ، وتوابع ذلك . وقسم مختص بالرسول ، وهو التعزير ، والتوقير ، والنصرة . وقسم مشترك ، وهو الإيمان باللّه ورسوله ، ومحبتهما وطاعتهما . كما جمع اللّه بين هذه الحقوق في قوله :
لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
( 9 ) . فمن أطاع الرسول ، فقد أطاع اللّه ، وله من الثواب والخير ، ما رتب على طاعة اللّه .
وَمَنْ تَوَلَّى
عن طاعة اللّه ورسوله ، فإنه لا يضر إلا نفسه ، ولا يضر اللّه شيئا .
فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
أي : تحفظ أعمالهم ، وأحوالهم ، بل أرسلناك مبلغا ومبينا وناصحا . وقد أديت وظيفتك ، ووجب أجرك على اللّه ، سواء اهتدوا ، أم لم يهتدوا . كما قال تعالى :
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ ( 21 ) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ
( 22 ) الآية . [ 81 ] ولا بد أن تكون طاعة اللّه ورسوله ، ظاهرا وباطنا ، في الحضرة والمغيب . فأما من يظهر في الحضرة ، الطاعة والالتزام ، فإذا خلا بنفسه ، أو أبناء جنسه ، ترك الطاعة ، وأقبل على ضدها ، فإن الطاعة التي أظهرها ، غير نافعة ولا مفيدة ، وقد أشبه من قال اللّه فيهم :
وَيَقُولُونَ طاعَةٌ
أي : يظهرون الطاعة إذا كانوا عندك .
فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ
أي : خرجوا ، وخلوا في حالة لا يطلع فيها عليهم .
بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ
أي : بيتوا ودبروا غير طاعتك ، ولا ثم إلا المعصية . وفي قوله :
بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ
دليل على أن الأمر الذي