تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
المؤتمن ، ووكيله بمنزلته ؛ فلو دفعها لغير ربها ، لم يكن مؤديا لها .
وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
وهذا يشمل الحكم بينهم في الدماء ، والأموال ، والأعراض ، القليل من ذلك ، والكثير ، على القريب ، والبعيد ، والفاجر ، والولي ، والعدو . والمراد بالعدل الذي أمر اللّه بالحكم به ، هو ما شرعه اللّه على لسان رسوله ، من الحدود والأحكام ، وهذا يستلزم معرفة العدل ، ليحكم به . ولما كانت هذه أوامر حسنة عادلة ، قال :
إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً
وهذا مدح من اللّه لأوامره ونواهيه لاشتمالها على مصالح الدارين ، ودفع مضارهما ، لأن شارعها السميع البصير ، الذي لا تخفى عليه خافية ، ويعلم من مصالح العباد ، ما لا يعلمون . [ 59 ] ثم أمر بطاعته وطاعة رسوله ، وذلك بامتثال أمرهما ، الواجب والمستحب ، واجتناب نهيهما . وأمر بطاعة أولي الأمر ، وهم : الولاة على الناس ، من الأمراء ، والحكام ، والمفتين ، فإنه لا يستقيم للناس ، أمر دينهم ودنياهم ، إلا بطاعتهم والانقياد لهم ، طاعة للّه ، ورغبة فيما عنده . ولكن بشرط ، أن لا يأمروا بمعصية اللّه ، فإن أمروا بذلك ، فلا طاعة لمخلوق ، في معصية الخالق . ولعل هذا هو السر في حذف الفعل ، عند الأمر بطاعتهم ، وذكره مع طاعة الرسول . فإن الرسول ، لا يأمر إلا بطاعة اللّه ، ومن يطعه ، فقد أطاع اللّه . وأما أولو الأمر ، فشرط الأمر بطاعتهم ، أن لا يكون معصية . ثم أمر برد كل ما تنازع الناس فيه ؛ من أصول الدين وفروعه ، إلى اللّه والرسول ، أي : إلى كتاب اللّه وسنّة رسوله ؛ فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية ، إما بصريحهما ، أو عمومهما ؛ أو إيماء ، أو تنبيه ، أو مفهوم ، أو عموم معنى ، يقاس عليه ما أشبهه . لأن كتاب اللّه وسنّة رسوله ، عليهما بناء الدين ، ولا يستقيم الإيمان إلا بهما ، فالرد إليهما ، شرط في الإيمان ، فلهذا قال :
إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
. فدل ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة ، بل مؤمن بالطاغوت ، كما ذكر في الآية بعدها .
ذلِكَ
أي : الرد إلى اللّه ورسوله
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
فإن حكم اللّه ورسوله ، أحسن الأحكام وأعدلها ، وأصلحها للناس ، في أمر دينهم ، ودنياهم ، وعاقبتهم . [ 60 ] يعجب تعالى عباده ، من حالة المنافقين .
الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا
بما جاء به الرسول وبما قبله . ومع هذا
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ
وهو كل من حكم بغير شرع اللّه فهو طاغوت . والحال أنهم
قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ
فكيف يجتمع هذا الإيمان ؟ فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع اللّه وتحكيمه في كل أمر من الأمور . فمن زعم أنه مؤمن ، واختار حكم الطاغوت على حكم اللّه ، فهو كاذب في ذلك . وهذا من إضلال الشيطان إياهم ، ولهذا قال :
وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً
عن الحق . [ 62 ]
فَكَيْفَ
يكون حال هؤلاء الضالين
إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
من المعاصي ، ومنها تحكيم الطاغوت ؟
ثُمَّ جاؤُكَ
معتذرين لما صدر منهم ، و
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً
أي : ما قصدنا في ذلك إلا الإحسان إلى المتخاصمين والتوفيق بينهم ، وهم كذبة في ذلك . فإن الإحسان ، تحكيم اللّه
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 194 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي