تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
أي : لمن تاب إليه ، وأناب . [ 49 ] هذا تعجب من اللّه لعباده ، وتوبيخ للذين يزكون أنفسهم ، من اليهود والنصارى ، ومن نحا نحوهم ، من كل من زكى نفسه ، بأمر ليس فيه . وذلك أن اليهود والنصارى يقولون :
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
. ويقولون :
لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
وهذا مجرد دعوى ، لا برهان عليها . وإنما البرهان ، ما أخبر به في القرآن في قوله :
بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
( 112 ) . فهؤلاء هم الذين زكاهم اللّه ، ولهذا قال هنا :
بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
أي : بالإيمان والعمل الصالح ، بالتخلي عن الأخلاق الرذيلة ، والتحلي بالصفات الجميلة . وأما هؤلاء ، فهم - وإن زكوا أنفسهم بزعمهم ، أنهم على شيء ، وأن الثواب لهم وحدهم - فإنهم كذبة في ذلك ، ليس لهم من خصال الزاكين نصيب ، بسبب ظلمهم وكفرهم ، لا بظلم من اللّه لهم ، ولهذا قال :
وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا
. وهذا لتحقيق العموم ، أي : لا يظلمون شيئا ، ولا مقدار الفتيل الذي في شق النواة ، أو الذي يفتل من وسخ اليد وغيرها . [ 50 ] قال تعالى :
انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
أي : بتزكيتهم أنفسهم ، لأن هذا من أعظم الافتراء على اللّه . لأن مضمون تزكيتهم لأنفسهم ، الإخبار بأن اللّه جعل ما هم عليه حقا ، وما عليه المؤمنون المسلمون باطلا . وهذا أعظم الكذب ، وقلب الحقائق ، بجعل الحق باطلا ، والباطل حقا . ولهذا قال :
وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً
أي : ظاهرا بينا ، موجبا للعقوبة البليغة ، والعذاب الأليم . [ 51 ] وهذا من قبائح اليهود ، وحسدهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ، أن أخلاقهم الرذيلة ، وطبعهم الخبيث ، حملهم على ترك الإيمان باللّه ورسوله والتعوض عنه بالإيمان بالجبت والطاغوت ، وهو الإيمان بكل عبادة لغير اللّه ، أو حكم بغير شرع اللّه . فدخل في ذلك ، السحر والكهانة ، وعبادة غير اللّه ، وطاعة الشيطان ، كل هذا من الجبت والطاغوت . وكذلك حملهم الكفر والحسد ، على أن فضلوا طريق الكافرين باللّه ، عبدة الأصنام ، على طريق المؤمنين فقال :
وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا
أي : لأجلهم ، تملقا لهم ومداهنة ، وبغضا للإيمان :
هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا
أي : طريقا . فما أسمجهم ، وأشد عنادهم ، وأقل عقولهم ! ! وكيف سلكوا هذا المسلك الوخيم ، والوادي الذميم ؟ هل ظنوا أن هذا ، يروج على أحد من العقلاء ، أو يدخل عقل أحد من الجهلاء . فهل يفضل دين ، قام على عبادة الأصنام والأوثان ، واستقام على تحريم الطيبات ، وإباحة الخبائث ، وإحلال كثير من المحرمات ، وإقامة الظلم بين الخلق ، وتسوية الخالق بالمخلوقين ، والكفر باللّه ، ورسله ، وكتبه ، على دين قام على عبادة الرحمن ، والإخلاص للّه ، في السر والإعلان والكفر بما يعبد من دونه ، من الأوثان ، والأنداد ، والكاذبين ، وعلى صلة الأرحام ، والإحسان ، إلى جميع الخلق ، حتى البهائم ، وإقامة العدل والقسط بين الناس ، وتحريم كل خبيث وظلم ، ومصدق في جميع الأقوال والأعمال فهل هذا إلا من الهذيان . وصاحب هذا القول ، إما من أجهل الناس ، وأضعفهم عقلا ،