تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
وإما من أعظمهم عنادا وتمردا ، ومراغمة للحق . [ 52 ] وهذا هو الواقع ، ولهذا قال تعالى عنهم :
أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ
أي : طردهم عن رحمته ، وأحل عليهم نقمته .
وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً
أي : يتولاه ، ويقوم بمصالحه ، ويحفظه عن المكاره ، هذا غاية الخذلان . [ 53 ]
أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ
أي : فيفضلون من شاءوا على من شاءوا ، بمجرد أهوائهم ، فيكونون شركاء للّه في تدبير المملكة . فلو كانوا كذلك ، لشحوا وبخلوا أشد البخل ، ولهذا قال :
فَإِذاً
أي : لو كان لهم نصيب من الملك
لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً
أي : شيئا ، ولا قليلا . وهذا وصف لهم ، بشدة البخل ، على تقدير وجود ملكهم ، المشارك لملك اللّه . وأخرج هذا ، مخرج الاستفهام المتقرر إنكاره ، عند كل أحد . [ 54 ]
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
أي : هل الحامل لهم على قولهم ، كونهم شركاء للّه ، فيفضلون من شاءوا ؟ أم الحامل لهم على ذلك ، الحسد للرسول وللمؤمنين ، على ما آتاهم اللّه من فضله ؟ وذلك ليس ببدع ولا غريب ، على فضل اللّه .
فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً
وذلك ما أنعم اللّه به على إبراهيم وذريته ، من النبوة ، والكتاب ، والملك الذي أعطاه من أعطاه ، من أنبيائه ك « داود » و « سليمان » . فإنعامه لم يزل مستمرا ، على عباده المؤمنين . فكيف ينكرون إنعامه ، بالنبوة ، والنصر ، والملك ، لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، أفضل الخلق ، وأجلهم ، وأعظمهم معرفة باللّه ، وأخشاهم له ؟ [ 55 ]
فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ
أي : بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فنال بذلك السعادة الدنيوية ، والفلاح الأخروي .
وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ
عنادا ، وبغيا ، وصدا ، فحصل لهم من شقاء الدنيا ومصائبها ، ما هو بعض آثار معاصيهم .
وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً
تسعر على من كفر باللّه ، وجحد نبوة أنبيائه ، من اليهود ، والنصارى ، وغيرهم ، من أصناف الكفرة . [ 56 ] ولهذا قال :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً
أي : عظيمة الوقود ، شديدة الحرارة .
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ
أي : احترقت
بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
أي : ليبلغ العذاب منهم كل مبلغ . ولما تكرر منهم الكفر والعناد ، وصار وصفا لهم وسجية ؛ كرر ، عليهم العذاب جزاء وفاقا . ولهذا قال :
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً
أي : له العزة العظيمة ، والحكمة في خلقه وأمره ، وثوابه وعقابه . [ 57 ]
وَالَّذِينَ آمَنُوا
أي : باللّه ، وما أوجب الإيمان به
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
من الواجبات والمستحبات
سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ
أي : من الأخلاق الرذيلة ، والخلق الذميم ، ومما يكون من نساء الدنيا ، من كل دنس وعيب
وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا
أي : دائم الظل . [ 58 ] الأمانات ، كل ما ائتمن عليه الإنسان ، وأمر بالقيام به . فأمر اللّه عباده بأدائها أي : كاملة موفرة ، لا منقوصة ولا مبخوسة ، ولا ممطولا بها . ويدخل في ذلك ، أمانات الولايات والأموال ، والأسرار ؛ والمأمورات التي لا يطلع عليها إلا اللّه . وقد ذكر الفقهاء ، أن من ائتمن أمانة ؛ وجب عليه حفظها ، في حرز مثلها . قالوا : لأنه لا يمكن أداؤها إلا بحفظها ؛ فوجب ذلك . وفي قوله تعالى :
إِلى أَهْلِها
دلالة على أنها ، لا تدفع وتؤدى لغير