تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
كانوا يعملون . يومئذ يوفيهم اللّه دينهم : جزاءهم الحق ، ويعلمون أن اللّه هو الحق المبين . فأما ما ورد ، من أن الكفار يكتمون كفرهم وجحودهم ، فإن ذلك يكون في بعض مواضع القيامة ، حين يظنون أن جحودهم ينفعهم من عذاب اللّه . فإذا عرفوا الحقائق ، وشهدت عليهم جوارحهم ، حينئذ ينجلي الأمر ، ولا يبقى للكتمان موضع ، ولا نفع ، ولا فائدة . [ 43 ] ينهى تعالى عباده المؤمنين ، أن يقربوا الصلاة ، وهم سكارى ، حتى يعلموا ما يقولون . وهذا شامل لقربان مواضع الصلاة ، كالمسجد ، فإنه لا يمكن السكران من دخوله . وشامل لنفس الصلاة ، فإنه ، لا يجوز للسكران ، صلاة ، ولا عبادة ، لاختلاط عقله ، وعدم علمه بما يقول ، ولهذا حدّد تعالى ذلك وغياه إلى وجود العلم ، بما يقول السكران . وهذه الآية الكريمة ، منسوخة بتحريم الخمر مطلقا . فإن الخمر - في أول الأمر - كان غير محرّم . ثم إن اللّه تعالى عرض لعباده بتحريمه ، بقوله :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
. ثم إنه تعالى ، نهاهم عن الخمر ، عند حضور الصلاة ، كما في هذه الآية . ثم إنه تعالى ، حرّمه على الإطلاق في جميع الأوقات في قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ
الآية . ومع هذا فإنه يشتد تحريمه وقت حضور الصلاة ، لتضمنه هذه المفسدة العظيمة . بعد حصول مقصود الصلاة ، الذي هو روحها ولبها ، وهو الخشوع وحضور القلب ، فإن الخمر يسكر القلب ، ويصد عن ذكر اللّه ، وعن الصلاة . ويؤخذ من المعنى ، منع الدخول في الصلاة ، في حال النعاس ، المفرط ، الذي لا يشعر صاحبه ، بما يقول ويفعل . بل لعل فيه إشارة ، إلى أنه ينبغي لمن أراد الصلاة ، أن يقطع عنه كل شاغل ، يشغل فكره ، كمدافعة الأخبثين ، والتوق لطعام ونحوه ، ما ورد في ذلك الحديث الصحيح . ثم قال :
وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ
أي : لا تقربوا الصلاة ، حالة كون أحدكم جنبا إلا في هذه الحال ، وهو عابر السبيل أي : تمرون في المسجد ، ولا تمكثون فيه .
حَتَّى تَغْتَسِلُوا
أي : فإذا اغتسلتم ، فهو غاية المنع ، من قربان الصلاة للجنب . فيحل للجنب ، المرور في المسجد فقط .
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا
. فأباح التيمم للمريض مطلقا ، مع وجود الماء وعدمه والعلة ، هي : المرض ، الذي يشق معه استعمال الماء ، وكذلك السفر ، فإنه مظنة فقد الماء . فإذا فقده المسافر ، ووجد ما يتعلق بحاجته ، من شرب ونحوه ، جاز له التيمم . وكذلك إذا أحدث الإنسان ، ببول أو غائط ، أو ملامسة النساء ، فإنه يباح له التيمم ، إذا لم يجد الماء ، حضرا وسفرا ، كما يدل على ذلك عموم الآية . والحاصل : أن اللّه تعالى أباح التيمم في حالتين : حال عدم الماء ، وهذا مطلقا في الحضر والسفر . وحال المشقة باستعماله ، بمرض ونحوه . واختلف المفسرون في معنى قوله :
أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ
هل المراد بذلك : الجماع ، فتكون الآية نصا في جواز التيمم للجنب ، كما تكاثرت بذلك الأحاديث الصحيحة ؟ أو المراد بذلك : مجرد اللمس باليد ، ويقيد ذلك بما إذا كان مظنة خروج المذي ، وهو المس الذي يكون لشهوة ، فتكون الآية دالة على نقض الوضوء بذلك ؟ واستدل الفقهاء بقوله :
فَلَمْ تَجِدُوا ماءً
بوجوب طلب الماء عند دخول الوقت . قالوا : لأنه لا يقال : « لم يجد » لمن لم يطلب ، بل لا يكون ذلك إلا بعد الطلب . واستدل بذلك أيضا ، على أن الماء المتغير بشيء من الطاهرات ، يجوز ، بل يتعين التطهر به لدخوله في قوله :
فَلَمْ تَجِدُوا ماءً
وهذا ماء . ونوزع في ذلك ، أنه ماء غير مطلق ، وفي ذلك نظر . وفي هذه الآية الكريمة مشروعية هذا الحكم العظيم ، الذي امتن به اللّه على هذه الأمة ، وهو مشروعية التيمم ، وقد أجمع على ذلك العلماء ، وللّه الحمد . وأن التيمم يكون بالصعيد الطيب ، وهو كل ما تصاعد على وجه الأرض ، سواء كان له غبار أم لا . ويحتمل أن يختص ذلك ، بذي الغبار ، لأن اللّه قال في آية الوضوء من سورة المائدة الآية 6 :
فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ
. وما لا غبار له ، لا يمسح به . وقوله :
فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ
أي : منه . كما في آية ( المائدة ) هذا محل المسح في التيمم : الوجه جميعه ، واليدان إلى الكوعين ،