تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
لتتوطن على ذلك النفوس . فيأتي التفصيل بعد الإجمال ، قد تشوفت له النفوس ، وزالت الوحشة ، التي منشؤها ، العادات القبيحة فقال :
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ
أي : قسط وحصة
مِمَّا تَرَكَ
أي : خلف
الْوالِدانِ
أي : الأب والأم
وَالْأَقْرَبُونَ
عموما بعد خصوص
وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ
. فكأنه قيل : هل ذلك النصيب ، راجع إلى العرف والعادة ، وأن يرضخوا لهم ما يشاءون ؟ أو شيئا مقدرا ؟ فقال تعالى :
نَصِيباً مَفْرُوضاً
أي : قدره العليم الحكيم . وسيأتي - إن شاء اللّه - تقدير ذلك . وأيضا ، فهنا توهم آخر ، لعل أحدا يتوهم أن النساء والوالدين ، ليس لهم نصيب ، إلا من المال الكثير ، فأزال ذلك بقوله :
مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ
فتبارك اللّه أحسن الحاكمين . [ 8 ] وهذا من أحكام اللّه الحسنة الجليلة ، الجابرة للقلوب فقال :
وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ
أي : قسمة المواريث
أُولُوا الْقُرْبى
أي : الأقارب غير الوارثين ، بقرينة قوله :
الْقِسْمَةَ
لأن الوارثين من المقسوم عليهم .
وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ
أي : المستحقون من الفقراء .
فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ
أي : أعطوهم ما تيسر من هذا المال ، الذي جاءكم بغير كد ولا تعب ، ولا عناء ، ولا نصب ، فإن نفوسهم متشوفة إليه ، وقلوبهم متطلعة . فأجبروا خواطرهم ، بما لا يضركم ، وهو نافعهم . ويؤخذ من المعنى ، أن كل من له تطلع وتشوف إلى ما حضر بين يدي الإنسان ، ينبغي له أن يعطيه منه ، ما تيسر كما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه ، فليجلسه معه ، فإن لم يجلسه معه ، فليناوله لقمة أو لقمتين » أو كما قال . وكان الصحابة رضي اللّه عنهم - إذا بدأت باكورة أشجارهم - أتوا بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فبرّك عليها ، ونظر إلى أصغر وليد عنده ، فأعطاه ذلك ، علما منه بشدة تشوقه إلى ذلك ، وهذا كله ، مع إمكان الإعطاء . فإن لم يمكن ذلك - لكونه حق سفهاء ، أو ثم أهم من ذلك - فليقولوا لهم
قَوْلًا مَعْرُوفاً
يردونهم ردا جميلا ، بقول حسن ، غير فاحش ، ولا قبيح . [ 9 ] قيل : إن هذا خطاب لمن يحضر ، من حضره الموت وأجنف في وصيته ، أن يأمره بالعدل في وصيته ، والمساواة فيها بدليل قوله :
وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً
أي : سدادا ، موافقا للقسط والمعروف . وأنهم يأمرون من يريد الوصية على أولاده ، بما يحبون معاملة أولادهم بعدهم . وقيل : إن المراد بذلك ، أولياء السفهاء ، من المجانين ، والصغار ، والضعاف ، أن يعاملوهم في مصالحهم الدينية والدنيوية ، بما يحبون أن يعامل به من بعدهم ، من ذريتهم الضعاف .
فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ
في ولايتهم لغيرهم ، أي : يعاملونهم بما فيه تقوى اللّه ، من عدم إهانتهم ، والقيام عليهم ، وإلزامهم لتقوى اللّه . [ 10 ] ولما أمرهم بذلك ، زجرهم عن أكل أموال اليتامى ، وتوعد فقال : على ذلك أشد العذاب
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً
أي : بغير حق . وهذا القيد ، يخرج به ما تقدم ، من جواز الأكل للفقير بالمعروف ، ومن جواز خلط طعامهم بطعام اليتامى . فمن أكلها ظلما ، فإنما
يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً
أي : فإن الذي أكلوه ، نار تتأجج في أجوافهم وهم الذين أدخلوه في بطونهم
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
أي : نارا محرقة متوقدة . وهذا أعظم