تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
فليقتصر على واحدة ، أو على ملك يمينه . فإنه لا يجب عليه القسم ، في ملك اليمين :
ذلِكَ
أي : الاقتصار على واحدة ، أو ما ملكت اليمين
أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا
أي : تظلموا . وفي هذا ، إن تعرض العبد للأمر الذي يخاف منه الجور والظلم ، وعدم القيام بالواجب - ولو كان مباحا - أنه لا ينبغي له أن يتعرض له ، بل يلزم السعة والعافية ، فإن العافية خير ما أعطي العبد . [ 4 ] ولما كان كثير من الناس ، يظلمون النساء ، ويهضمونهن حقوقهن - خصوصا الصداق ، الذي يكون شيئا كثيرا ، ودفعة واحدة ، يشق دفعه للزوجة - أمرهم وحثهم على إيتاء النساء
صَدُقاتِهِنَّ
أي : مهورهن
نِحْلَةً
أي : عن طيب نفس ، وحال طمأنينة ، فلا تمطلوهن ، أو تبخسوا منه شيئا . وفيه : أن المهر يدفع إلى المرأة ، إذا كانت مكلفة ، وأنها تملكه ، بالعقد ، لأنه أضافه إليها ، والإضافة تقتضي التمليك .
فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ
أي : من الصداق
نَفْساً
بأن سمحن لكم عن رضا واختيار ، بإسقاط شيء منه ، أو تأخيره أو المعاوضة عنه .
فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً
أي : لا حرج عليكم في ذلك ولا تبعة . وفيه دليل على أن للمرأة ، التصرف في مالها - ولو بالتبرع - إذا كانت رشيدة ، فإن لم تكن كذلك ، فليس لعطيتها حكم . وأنه ليس لوليها من الصداق شيء ، غير ما طابت به . وفي قوله :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
دليل على أن نكاح الخبيثة ، غير مأمور به ، بل منهي عنه ، كالمشركة ، وكالفاجرة ، كما قال تعالى :
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ
وقال :
الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ
. [ 5 ] السفهاء ، جمع « سفيه » وهو : من لا يحسن التصرف في المال . إما لعدم عقله ، كالمجنون والمعتوه ، ونحوهما . وإما لعدم رشده ، كالصغير وغير الرشيد . فنهى اللّه الأولياء ، أن يؤتوا هؤلاء أموالهم ، خشية إفسادها وإتلافها . لأن اللّه جعل الأموال ، قياما لعباده ، في مصالح دينهم ودنياهم . وهؤلاء لا يحسنون القيام عليها وحفظها . فأمر اللّه الولي أن لا يؤتيهم إياها بل يرزقهم منها ، ويكسوهم ، ويبذل منها ، ما يتعلق بضروراتهم وحاجاتهم الدينية والدنيوية ، وأن يقولوا لهم قولا معروفا ، بأن يعدوهم - إذا طلبوها - أنهم سيدفعونها لهم بعد رشدهم ، ونحو ذلك ، ويلطفوا لهم في الأقوال ، جبرا لخواطرهم . وفي إضافته تعالى ، الأموال إلى الأولياء ، إشارة إلى أنه يجب عليهم أن يعملوا في أموال السفهاء ، ما يفعلونه في أموالهم ، من الحفظ ، والتصرف ، وعدم التعرض للأخطار . وفي الآية دليل على أن نفقة المجنون والصغير والسفيه ، في مالهم ، إذا كان لهم مال ، لقوله :
وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ
. وفيه دليل على أن قول الولي مقبول فيما يدعيه ، في النفقة الممكنة ، والكسوة ؛ لأن اللّه جعله مؤتمنا على مالهم ، فلزم قبول قول الأمين . [ 6 ] الابتلاء هو : الاختبار والامتحان . وذلك بأن يدفع لليتيم المقارب للرشد ، الممكن رشده ، شيئا ، من ماله ، ويتصرف فيه التصرف اللائق بحاله ، فيتبين بذلك رشده من سفهه . فإن استمر غير محسن للتصرف ، لم يدفع إليه ماله ، بل هو باق على سفهه ، ولو بلغ عمرا كثيرا . فإن تبين رشده وصلاحه في ماله وبلغ النكاح
فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
كاملة موفرة .
وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً
أي : مجاوزة للحد الحلال الذي أباحه اللّه لكم ، من أموالكم إلى الحرام الذي حرمه اللّه عليكم من أموالهم .
وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا
أي : ولا تأكلوها ، في حال صغرهم ، التي لا يمكنهم فيها أخذها منكم ، ولا منعكم من أكلها ، تبادرون بذلك أن يكبروا ، فيأخذوها منكم ويمنعوكم منها . وهذا من الأمور الواقعة ، من كثير من الأولياء ، الذين ليس عندهم خوف من اللّه ، ولا رحمة ومحبة للمولى عليهم . يرون هذه الحال ، حال فرصة ، فيغتنمونها ، ويتعجلون ما حرّم اللّه عليهم . فنهى اللّه تعالى ، عن هذه الحالة بخصوصها . [ 7 ] كان العرب في الجاهلية - من جبروتهم وقسوتهم ، لا يورثون الضعفاء ، كالنساء والصبيان ، ويجعلون الميراث للرجال الأقوياء . لأنهم - بزعمهم - أهل الحرب والقتال ، والنهب والسلب . فأراد الرب الرحيم الحكيم ، أن يشرع لعباده شرعا ، يستوي فيه رجالهم ونساؤهم ، وأقوياؤهم وضعفاؤهم . وقدّم بين يدي ذلك ، أمرا مجملا ،