تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
عاما حقيقيا - صار نافعا ، فأحدث لهم خشية اللّه ، وخضوعهم لجلاله ، الموجب للانقياد لأوامره ونواهيه ، والوقوف عند حدوده . وهؤلاء أهل الكتاب والعلم على الحقيقة ، كما قال تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
، ومن تمام خشيتهم للّه ، أنهم
لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا
. [ فلا يقدمون الدنيا على الدين ، كما فعل أهل الانحراف الذين يكتمون ما أنزل اللّه ويشترون به ثمنا قليلا ] « 1 » . وأما هؤلاء ، فعرفوا الأمر على الحقيقة ، وعلموا أن من أعظم الخسران ، الرضا بالدون عن الدين ، والوقوف مع بعض حظوظ النفس السفلية ، وترك الحق ، الذي هو : أكبر حظ وفوز ، من الدنيا والآخرة ، فآثروا الحق ، وبينوه ، ودعوا إليه ، وحذروا عن الباطل . فأثابهم اللّه على ذلك ، بأن وعدهم الأجر الجزيل ، والثواب الجميل ، وأخبرهم بقربه ، وأنه سريع الحساب ، فلا يستبطئوا ما وعدهم اللّه ، لأن ما هو آت ، محقق حصوله ، فهو قريب . ثم حض المؤمنين ، على ما يوصلهم إلى الفلاح - وهو : الفوز بالسعادة والنجاح ، وأن الطريق الموصل إلى ذلك ، لزوم الصبر ، الذي هو حبس النفس على ما تكرهه ، من ترك المعاصي ، ومن الصبر على المصائب ، وعلى الأوامر الثقيلة على النفوس ، فأمرهم بالصبر على جميع ذلك . والمصابرة هي : الملازمة والاستمرار على ذلك ، على الدوام ، ومقاومة الأعداء في جميع الأحوال ، والمرابطة وهي : لزوم المحل الذي يخاف من وصول العدو منه ، وأن يراقبوا أعداءهم ، ويمنعوهم من الوصول إلى مقاصدهم ، لعلهم يفلحون : يفوزون بالمحبوب الديني والدنيوي والأخروي ، وينجون من المكروه كذلك . فعلم من هذا أنه لا سبيل إلى الفلاح بدون الصبر والمصابرة والمرابطة المذكورات ، فلم يفلح من أفلح ، إلا بها ، ولم يفت أحد ، الفلاح إلا بالإخلال بها أو ببعضها . واللّه الموفق ولا حول ولا قوة إلا به . تم تفسير « سورة آل عمران » والحمد للّه على نعمته ، ونسأله تمام النعمة .

تفسير سورة النساء

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ 1 ] افتتح تعالى هذه السورة ، بالأمر بتقواه ، والحث على عبادته ، والأمر بصلة الأرحام ، والحث على ذلك . وبيّن السبب الداعي ، الموجب لكل من ذلك ، وأن الموجب لتقواه أنه
رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
ورزقكم ، ورباكم بنعمه العظيمة ، التي من جملتها خلقكم
مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها
ليناسبها ، فيسكن إليها ، وتتم بذلك النعمة ،
هامش
( 1 ) سقط من المطبوعة التي بين أيدينا ، وهو موافق للسياق .