تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ابنتي سعد ، الثلثين كما في الصحيح . بقي أن يقال : فما الفائدة في قوله :
فَوْقَ اثْنَتَيْنِ
؟ قيل : الفائدة في ذلك - واللّه أعلم - أنه ليعلم أن الفرض الذي هو الثلثان ، لا يزيد بزيادتهن على الثنتين ، بل من الثنتين فصاعدا . ودلت الآية الكريمة ، أنه إذا وجد بنت صلب واحدة ، وبنت ابن أو بنات ابن ، فإن لبنت الصلب ، النصف ، ويبقى من الثلثين اللذين فرضهما اللّه للبنات ، أو بنات الابن ، السدس ، فيعطى بنت الابن ، أو بنات الابن ، ولهذا يسمى هذا السدس ، تكملة الثلثين . ومثل ذلك ، بنت الابن ، مع بنات الابن ، اللاتي أنزل منها . وتدل الآية ، أنه متى استغرق البنات أو بنات الابن الثلثين ، أنه يسقط من دونهن ، من بنات الابن ، لأن اللّه لم يفرض لهن ، إلا الثلثين ، وقد تم . فلو لم يسقطن ، لزم من ذلك أن يفرض لهن ، أزيد من الثلثين ، وهو خلاف النص . وكل هذه الأحكام ، مجمع عليها بين العلماء ، وللّه الحمد . ودل قوله :
مِمَّا تَرَكَ
أن الوارثين ، يرثون كل ما خلف الميت ، من عقار ، وأثاث ، وذهب ، وفضة ، وغير ذلك ، حتى الدية ، التي لم تجب إلا بعد موته ، وحتى الديون التي في الذمة .

أحكام الأبوين في الميراث

ثم ذكر ميراث الأبوين فقال :
وَلِأَبَوَيْهِ
أي : أبوه وأمه
لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ
أي : ولد صلب ، أو ولد ابن ، ذكرا كان أو أنثى ، واحدا أو متعددا . فأما الأم ، فلا تزيد على السدس مع أحد من الأولاد .

أحكام الأب في الميراث

وأما الأب ، فمع الذكور منهم ، لا يستحق أزيد من السدس . فإن كان الولد أنثى أو إناثا ، ولم يبق بعد الفرض شيء ، كأبوين وابنتين ، لم يبق له تعصيب . وإن بقي بعد فرض البنت أو البنات شيء ، أخذ الأب السدس فرضا ، والباقي تعصيبا . لأننا ألحقنا الفروض بأهلها ، فما بقي ، فلأولى رجل ذكر ، وهو أولى من الأخ والعم ، وغيرهما .
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ
أي : والباقي للأب ، لأنه أضاف المال إلى الأب والأم ، إضافة واحدة ، ثم قدّر نصيب الأم ، فدل ذلك ، على أن الباقي للأب . وعلم من ذلك ، أن الأب - مع عدم الأولاد - لا فرض له ، بل يرث - تعصيبا - المال كله ، أو ما أبقت الفروض . ولكن لو وجد مع الأبوين ، أحد الزوجين - ويعبر عنهما بالعمريتين - فإن الزوج أو الزوجة ، يأخذ فرضه ، ثم تأخذ الأم ثلث الباقي والأب الباقي . وقد دلّ على ذلك قوله :
وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ
ثلث ما ورثه الأبوان . وهو في هاتين الصورتين ، إما سدس في زوج وأم وأب ، وإما ربع في زوجة ، وأم وأب . فلم تدل الآية على إرث الأم ، ثلث المال كاملا ، مع عدم الأولاد . حتى يقال : إن هاتين الصورتين ، قد استثنيتا من هذا . ويوضح ذلك ، أن الذي يأخذه الزوج أو الزوجة ، بمنزلة ما يأخذه الغرماء . فيكون من رأس المال ، والباقي ، بين الأبوين . ولأنا لو أعطينا الأم ثلث المال ، لزم زيادتها على الأب ، في مسألة الزوج ، أو أخذ الأب في مسألة الزوجة ، زيادة عنها نصف السدس ، وهذا لا نظير له . فإن المعهود مساواتها للأب ، أو أخذه ضعف ما تأخذه الأم .
فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ
أشقاء ، أو لأب ، أو لأم ، ذكورا أو إناثا ، وارثين ، أو محجوبين بالأب ، أو الجد . لكن قد يقال : ليس ظاهر قوله :
فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ
شاملا لغير الوارثين ، بدليل عدم تناولها للمحجوب بالوصف . فعلى هذا ، لا يحجبها عن الثلث من الإخوة ، إلا الإخوة الوارثون . ويؤيده أن الحكمة في حجبهم لها عن الثلث ، لأجل أن يتوفر لهم شيء من المال ، وهو معدوم . واللّه أعلم . ولكن يشرط كونهم اثنين فأكثر . ويشكل على ذلك ، إتيان لفظ « الإخوة » بلفظ الجمع . وأجيب عن ذلك ، بأن المقصود ، مجرد التعدد لا الجمع ، ويصدق ذلك باثنين . وقد يطلق الجمع ، ويراد به الاثنان كما في قوله تعالى عن داود وسليمان :
وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ
وقال في الإخوة للأم :
وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ