تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
أي : قد حق عليهم سخط اللّه ، ووجب عليهم عقابه ، وحرموا ثوابه ، ومنعوا من التزكية ، وهي التطهير . بل يردون القيامة ، وهم متلوثون بالجرائم ، متدنسون بالذنوب العظائم . [ 78 ] أي : وإن من أهل الكتاب فريقا هم محرفون لكتاب اللّه ،
يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ
، وهذا يشمل التحريف اللفظي ، والتحريف المعنوي . ثم هم - مع هذا التحريف الشنيع - يوهمون أنه من الكتاب ، وهم كذبة في ذلك ، ويصرحون بالكذب على اللّه ، وهم يعلمون حالهم وسوء مغبتهم . [ 79 - 80 ] أي : يمتنع ويستحيل كل الاستحالة لبشر منّ اللّه عليه بالوحي والكتاب والنبوة ، وأعطاه الحكم الشرعي - أن يأمر الناس بعبادته ، وبعبادة النبيين والملائكة واتخاذهم أربابا ، لأن هذا هو الكفر ، فكيف ، وقد بعث بالإسلام المنافي للكفر من كل وجه ، فكيف يأمر بضده ؟ هذا هو الممتنع ، لأن حاله وما هو عليه ، وما منّ اللّه به عليه من الفضائل والخصائص ، تقتضي العبودية الكاملة ، والخضوع التام للّه الواحد القهار . وهذا جواب لوفد نجران ، حين تمادى بهم الغرور ، ووصلت بهم الحال والكبر ، أن قالوا : أتأمرنا - يا محمد - أن نعبدك ؟ حين أمرهم بعبادة اللّه وطاعته ، فبين الباري انتفاء ما قالوا ، وأن كلامهم وكلام أمثالهم في هذا ظاهر البطلان . [ 81 - 82 ] هذا إخبار منه تعالى أنه أخذ عهد النبيين وميثاقهم كلهم ، بسبب ما أعطاهم ومنّ به عليهم ، من الكتاب والحكمة ، المقتضي للقيام التام ، بحق اللّه وتوفيته ، أنه إن جاءهم رسول مصدق لما معهم ، بما بعثوا به من التوحيد والحق والقسط والأصول التي اتفقت عليها الشرائع ، أنهم يؤمنون به ، وينصرونه . فأقروا على ذلك ، واعترفوا ، والتزموا ، وأشهدهم ، وشهد عليهم ، وتوعد من خالف هذا الميثاق . وهذا أمر عام بين الأنبياء أن جميعهم طريقهم واحد ، وأن دعوة كل واحد منهم ، قد اتفقوا وتعاقدوا عليها ، وعموم ذلك أنه أخذ على جميعهم الميثاق ، بالإيمان ، والنصرة لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم . فمن ادعى أنه من أتباعهم ، فهذا دينهم الذي أخذه اللّه عليهم ، وأقروا به واعترفوا . فمن تولى عن اتباع محمد ، ممن يزعم أنه من أتباعهم ، فإنه فاسق خارج عن طاعة اللّه ، مكذب للرسول الذي يزعم أنه من أتباعه ، مخالف لطريقه . وفي هذا إقامة الحجة والبرهان ، على كل من لم يؤمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم من أهل الكتب والأديان ، وأنه لا يمكنهم الإيمان برسلهم ، الذين يزعمون أنهم أتباعهم ، حتى يؤمنوا بإمامهم وخاتمهم صلّى اللّه عليه وسلم . [ 83 - 85 ] قد تقدم في سورة البقرة أن هذه الأصول التي هي أصول الإيمان التي أمر اللّه بها هذه الأمة ، قد اتفقت عليها الكتب والرسل ، وأنها هي الغرض الموجه لكل أحد ، وأنها هي الدين والإسلام الحقيقي ، وأن من ابتغى غيرها ، فعمله مردود ، وليس له دين يعول عليه . فمن زهد عنه ، ورغب عنه ، فأين يذهب ؟ إلى عبادة الأشجار والأحجار والنيران ؟ أو إلى اتخاذ الأحبار والرهبان والصلبان ، أو إلى التعطيل لرب العالمين ؟ أو إلى الأديان الباطلة ، التي هي وجه الشيطان ؟ وهؤلاء كلهم - في الآخرة - من الخاسرين . [ 86 - 88 ] يعني : أنه يبعد كل البعد ، أن يهدي اللّه قوما عرفوا الإيمان ، ودخلوا فيه ، وشهدوا أن الرسول
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 144 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي