تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
الأخبار ، حسن الأحكام . [ 59 ] لما ذكر قصة مريم وعيسى ونبأهما الحق ، وأنه عبد أنعم اللّه عليه ، وأن من زعم أن فيه شيئا من الإلهية ، فقد كذب على اللّه ، وكذب جميع أنبيائه ، وكذب عيسى صلى اللّه عليه وسلم ، فإن الشبهة التي عرضت لمن اتخذه إلها ، شبهة باطلة ، فلو كان لها وجه صحيح ، لكان آدم أحق منه ، فإنه خلق من دون أم ولا أب ، ومع ذلك ، فاتفق البشر كلهم ، على أنه عبد من عباد اللّه ، فدعوى إلهية عيسى ، بكونه خلق من أم بلا أب ، دعوى من أبطل الدعاوى . [ 60 ] وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه ، أن عيسى - كما قال في نفسه :
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ
، وكان قد قدم على النبي صلى اللّه عليه وسلم وفد نصارى نجران ، وقد تصلبوا على باطلهم ، بعد ما أقام عليهم النبي صلى اللّه عليه وسلم البراهين بأن عيسى عبد اللّه ورسوله ، حيث زعموا إلهيته . [ 61 ] فوصلت به وبهم الحال ، إلى أن أمره اللّه تعالى أن يباهلهم ، فإنه قد اتضح لهم الحق ، ولكن العناد والتعصب منعاهم منه . فدعاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المباهلة ، بأن يحضر هو وأهله وأبناؤه ، وهم يحضرون بأهلهم وأبنائهم ، ثم يدعون اللّه تعالى ، أن ينزل عقوبته ولعنته على الكاذبين ، فتشاوروا هل يجيبونه إلى ذلك ؟ فاتفق رأيهم أن لا يجيبوه ، لأنهم عرفوا أنه نبي اللّه حقا ، وأنهم - إن باهلوه - هلكوا ، هم وأولادهم وأهلوهم ، فصالحوه وبذلوا له الجزية ، وطلبوا منه الموادعة والمهادنة . فأجابهم صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يحرجهم ، لأنه حصل المقصود من وضوح الحق ، وتبين عنادهم حيث صمموا على الامتناع عن المباهلة ، وذلك يبرهن على أنهم كانوا ظالمين . [ 62 - 63 ] فإن أعرضوا عن الحق بعد ما تبين لهم ، ولم يرجعوا عن ضلالاتهم ، فهم المفسدون ، واللّه عليم بهم ، ولهذا قال تعالى :
إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ
، أي : الذي لا ريب فيه ،
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ
، الذي قهر بقدرته وقوته جميع الموجودات ، وأذعنت له سكان الأرض والسماوات . ومع ذلك فهو
الْحَكِيمُ
الذي يضع الأشياء مواضعها ، وينزلها منازلها . [ 64 ] هذه الآية الكريمة ، كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يكتب بها إلى ملوك أهل الكتاب ، وكان يقرأ أحيانا في الركعة الأولى من سنة الفجر :
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ
، الآية . ويقرأ بها في الركعة الآخرة من سنة الصبح ، لاشتمالها على الدعوة إلى دين واحد ، قد اتفق عليه الأنبياء والمرسلون ، واحتوت على توحيد الإلهية المبني على عبادة اللّه وحده ، لا شريك له ، وأن يعتقد أن البشر وجميع الخلق كلهم في طور البشرية ، لا يستحق منهم أحد شيئا من خصائص الربوبية ، ولا من نعوت الإلهية . فإن انقاد أهل الكتاب وغيرهم إلى هذا فقد اهتدوا . وإن
تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
، كقوله تعالى :
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
( 1 ) إلى آخرها . [ 65 - 68 ] كانت الأديان كلها ، اليهود والنصارى ، والمشركون ، وكذلك المسلمون كلهم ، يدعون أنهم على ملة إبراهيم . فأخبر اللّه تعالى أن أولى الناس به ، محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأتباعه ، وأتباع الخليل ، قبل محمد صلّى اللّه عليه وسلم . وأما اليهود والنصارى ، والمشركون فإبراهيم بريء منهم ، ومن ولايتهم ، لأن دينه ، الحنيفية السمحة ، التي فيها الإيمان بجميع