تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
في أصولهم وفروعهم ، فعلم بذلك أنه رسول اللّه ، وأن ما جاء به حق لا ريب فيه . وأيضا فقوله :
وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
، أي : لأخفف عنكم بعض الآصار ، والأغلال . [ 51 ]
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ
، وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل ، عبادة اللّه وحده لا شريك له ، وطاعتهم . وهذا هو الصراط المستقيم الذي من يسلكه أوصله إلى جنات النعيم ، فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى ، فمنهم من آمن به واتبعه ، ومنهم من كفر به وكذبه ، ورمى أمه بالفاحشة كاليهود . [ 52 ]
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ
والاتفاق على رد دعوته ،
قالَ
: نادبا لبني إسرائيل على مؤازرته
مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ
، أي : الأنصار
نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
، وهذا من منة اللّه عليهم ، وعلى عيسى ، حيث ألهم هؤلاء الحواريين ، الإيمان به ، والانقياد لطاعته ، والنصرة لرسوله . [ 53 ]
رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ
، وهذا التزام تام للإيمان ، بكل ما أنزل اللّه ، ولطاعة رسوله .
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
لك بالوحدانية ، ولنبيك بالرسالة ، ولدينك بالحق والصدق . [ 54 ]
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ
وهم جمهور بني إسرائيل ، فإنهم
مَكَرُوا
بعيسى
وَمَكَرَ اللَّهُ
بهم ،
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
، فاتفقوا على قتله وصلبه ، وشبه لهم عيسى . [ 55 ] فقبضوا على من شبه لهم به ، وقال اللّه لعيسى :
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
، فرفعه اللّه إليه ، وطهره من الذين كفروا ، وصلبوا من قتلوه ، ظانين أنه عيسى ، وباءوا بالإثم العظيم . وسينزل عيسى ابن مريم ، في آخر هذه الأمة حكما عدلا ، يقتل الخنزير ، ويكسر الصليب ، ويتبع ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ويعلم الكاذبون غرورهم وخداعهم ، وأنهم مغرورون مخدوعون . وقوله :
وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
، المراد بمن اتبعه : الطائفة التي آمنت به ، ونصرهم اللّه على من انحرف عن دينه . ثم لما جاءت أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فكانوا هم أتباعه حقا ، فأيدهم اللّه ونصرهم على الكفار كلهم ، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد صلى اللّه عليه وسلم :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
، الآية . ولكن حكمة اللّه عادلة ، فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين ، نصره اللّه النصر المبين ، وأن من ترك أمره ونهيه ، ونبذ شرعه ، وتجرأ على معاصيه ، أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء ،
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *
. وقوله :
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
. [ 56 - 57 ] ثم بين ما يفعله بهم ، فقال :
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا
الآيتين . وهذا الجزاء عام لكل من اتصف بهذه الأوصاف ، من جميع أهل الأديان السابقة . ثم لما بعث سيد المرسلين ، وخاتم النبيين ، ونسخت رسالته ، الرسالات كلها ، ونسخ دينه ، جميع الأديان ، صار المتمسك بغير هذا الدين ، من الهالكين . [ 58 ] وقوله تعالى :
ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ
الآية . أي : هذا القرآن العظيم ، الذي فيه نبأ الأولين والآخرين ، والأنبياء والمرسلين - هو آيات اللّه البينات ، وهو الذي يذكر العباد كل ما يحتاجونه ، وهو الحكيم المحكم ، صادق