تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
الرسل ، وجميع الكتب ، وهذه خصيصة المسلمين . وأما دعوى اليهود والنصارى ، أنهم على ملة إبراهيم ، فقد علم أن اليهودية والنصرانية ، التي هم يدعون أنهم عليها ، لم تؤسس إلا بعد الخليل . فكيف يحاجون في هذا الأمر ، الذي يعلم به كذبهم وافتراؤهم ؟ فهب أنهم حاجوا فيما لهم به علم ، فكيف يحاجون في هذه الحالة ؟ فهذا قبل أن ينظر ما احتوى عليه قولهم من البطلان ، يعلم فساد دعواهم . وفي هذه الآية دليل على أنه لا يحل للإنسان أن يقول أو يجادل فيما لا علم له به . وقوله :
وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ
، فكلما قوي إيمان العبد ، تولاه اللّه بلطفه ، ويسره لليسرى ، وجنّبه العسرى . [ 69 - 74 ] هذا من منة اللّه على هذه الأمة ، حيث أخبرهم بمكر أعدائهم من أهل الكتاب ، وأنهم - من حرصهم على إضلال المؤمنين - ينوعون المنكرات الخبيثة . فقالت طائفة منهم :
آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ
، أي : أوله ، وارجعوا عن دينهم آخر النهار ، فإنهم - إذا رأوكم راجعين ، وهم يعتقدون فيكم العلم - استرابوا بدينهم ، وقالوا : لولا أنهم رأوا فيه ما لا يعجبهم ، ولا يوافق الكتب السابقة ، لم يرجعوا . هذا مكرهم ، واللّه تعالى هو الذي يهدي من يشاء ، وهو الذي بيده الفضل ، يختص به من يشاء ، فخصّكم - يا هذه الأمة - بما لم يخص به غيركم . ولم يدر هؤلاء الماكرون أن دين اللّه حق ، إذا وصلت حقيقته إلى القلوب ، لم يزدد صاحبه - على طول المدى - إلا إيمانا ويقينا . ولم تزده الشبه ، إلا تمسكا بدينه ، وحمدا للّه ، وثناء عليه حيث منّ به عليه . وقوله :
أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ
، يعني : أن الذي حملهم على هذه الأعمال المنكرة ، الحسد والبغي ، وخشية الاحتجاج عليهم . كما قال تعالى :
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ
، الآية . [ 75 ] يخبر تعالى عن أهل الكتاب ، أن منهم طائفة أمناء ، بحيث لو أمنته على قناطير من النقود ، وهي المال الكثير ، يؤده إليك ، ومنهم طائفة خونة ، يخونك في أقل القليل ، ومع هذه الخيانة الشنيعة ، فإنهم يتأولون بالأعذار الباطلة فيقولون :
لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ
، أي : ليس علينا جناح إذا خناهم واستبحنا أموالهم ، لأنهم لا حرمة لهم . قال تعالى :
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
أن عليهم أشد الحرج ، فجمعوا بين الخيانة وبين احتقار العرب ، وبين الكذب على اللّه ، وهم يعلمون ذلك ، ليسوا كمن فعل ذلك جهلا وضلالا . ثم قال تعالى :
بَلى
، أي : ليس الأمر كما قالوا . فإنه
مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى
، أي : قام بحقوق اللّه ، وحقوق خلقه ، فإن هذا هو المتقي ، واللّه يحبه . [ 76 ] أي : ومن كان بخلاف ذلك ، فلم يف بعهده وعقوده ، التي بينه وبين الخلق ، ولا قام بتقوى اللّه ، فإن اللّه يمقته ، وسيجازيه على ذلك أعظم النكال . [ 77 ] أي : إن الذين يشترون الدنيا بالدين ، فيختارون الحطام القليل من الدنيا ، ويتوسلون إليها بالأيمان الكاذبة ، والعهود المنكوثة ، فهؤلاء
لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
،