تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
وجعلهم إخوانا ، وكانوا على شفا حفرة من النار ، فأنقذهم من الشقاء ، ونهج بهم طريق السعادة .
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
إلى شكر اللّه والتمسك بحبله ، وأمرهم بتتميم هذه الحالة . والسبب الأقوى الذي يتمكنون به من إقامة دينهم ، بأن يتصدى منهم طائفة يحصل فيها الكفاية .
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
وهو الدين ، أصوله ، وفروعه وشرائعه .
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وهو ما عرف حسنه شرعا وعقلا .
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
وهو ما عرف قبحه شرعا وعقلا .
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
المدركون لكل مطلوب ، الناجون من كل مرهوب . ويدخل في هذه الطائفة أهل العلم والتعليم ، والمتصدون للخطابة ووعظ الناس ، عموما وخصوصا ، والمحتسبون الذين يقومون بإلزام الناس بإقامة الصلوات ، وإيتاء الزكاة ، والقيام بشرائع الدين ، وينهونهم عن المنكرات . فكل من دعا الناس إلى خير على وجه العموم ، أو على وجه الخصوص ، أو قام بنصيحة عامة أو خاصة ، فإنه داخل في هذه الآية الكريمة . ثم نهاهم عن سلوك مسلك المتفرقين ، الذين جاءهم الدين والبينات ، الموجب لقيامهم به ، واجتماعهم ، فتفرقوا واختلفوا وصاروا شيعا ، ولم يصدر ذلك عن جهل وضلال ، وإنما صدر عن علم وقصد سيئ ، وبغي من بعضهم على بعض ، ولهذا قال :
وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
. [ 106 - 107 ] ثم بيّن متى يكون هذا العذاب العظيم ، ويمسهم هذا العذاب الأليم ، فقال :
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ
، الآيتين . يخبر تعالى ، بتفاوت الخلق يوم القيامة ، في السعادة والشقاوة ، وأنه تبيض وجوه أهل السعادة ، الذين آمنوا باللّه ، وصدقوا رسله ، وامتثلوا أمره ، واجتنبوا نهيه ، وأن اللّه تعالى ، يدخلهم الجنات ، ويفيض عليهم أنواع الكرامات ، وهم فيها خالدون . وتسود وجوه أهل الشقاوة ، الذين كذبوا رسله ، وعصوا أمره ، وفرقوا دينهم شيعا وأنهم يوبخون ، فيقال لهم :
أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
، فكيف اخترتم الكفر على الإيمان ؟
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
. [ 108 - 109 ] يثني تعالى ، على ما قصه على نبيه من آياته ، التي حصل بها الفرقان بين الحق والباطل ، وبين أولياء اللّه وأعدائه ، وما أعده لهؤلاء من الثواب ، وللآخرين من العقاب ، وأن ذلك مقتضى فضله وعدله ، وحكمته ، وأنه لم يظلم عباده ، ولم ينقصهم من أعمالهم ، أو يعذب أحدا بغير ذنبه ، أو يحمل عليه وزر غيره . ولما ذكر أن له الأمر والشرع ، ذكر أن له تمام الملك والتصرف والسلطان ، فقال :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
( 109 ) ، فيجازي المحسنين بإحسانهم ، والمسيئين بعصيانهم . وكثيرا ما يذكر اللّه أحكامه الثلاثة مجتمعة ليبين لعباده أنه الحاكم المطلق ، فله الأحكام القدرية والأحكام الشرعية ، والأحكام الجزائية ، فهو الحاكم بين عباده في الدنيا والآخرة . ومن سواه من المخلوقات ، محكوم عليها ليس لها من الأمر شيء . [ 110 - 111 ] هذا تفضيل من اللّه لهذه الأمة بهذه الأسباب ، التي تميزوا بها وفاقوا بها سائر الأمم ، وأنهم خير الناس للناس ، نصحا ، ومحبة للخير ، ودعوة ، وتعليما ، وإرشادا ، وأمرا بالمعروف ، ونهيا عن المنكر ، وجمعا بين
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 147 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي