تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1059

مساهمون:

ص١٠٥٩
أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ
، أي : تنزهون اللّه عما لا يليق به ، ومن ذلك ، ظنكم أن قدرتكم مستقلة ، فلو استثنيتم ، وقلتم : « إن شاء اللّه » وجعلتم مشيئتكم تابعة لمشيئته ، ما جرى عليكم ما جرى . [ 29 ]
قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ
( 29 ) ، أي : استدركوا بعد ذلك ، ولكن بعد ما وقع على جنتهم العذاب ، الذي لا يرفع . ولكن بعد ما وقع على جنتهم العذاب ، الذي لا يرفع . ولكن لعل تسبيحهم هذا ، وإقرارهم على أنفسهم بالظلم ، ينفعهم في تخفيف الإثم ويكون توبة ، ولهذا ندموا ندامة عظيمة . [ 30 - 31 ]
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ
( 30 ) فيما أجروه وفعلوه ،
قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ
( 31 ) ، أي : متجاوزين للحد في حق اللّه ، وحق عباده . [ 32 ]
عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ
( 32 ) فهم رجوا اللّه أن يبدلهم خيرا منها ، ووعدوا أنهم سيرغبون إلى اللّه ، ويلحون عليه في الدنيا . فإن كانوا كما قالوا ، فالظاهر أن اللّه أبدلهم في الدنيا خيرا منها لأن من دعا اللّه صادقا ، ورغب إليه ورجاه ، أعطاه سؤله . [ 33 ] قال تعالى معظما ما وقع :
كَذلِكَ الْعَذابُ
، أي : الدنيوي لمن أتى بأسباب العذاب أن يسلبه اللّه الشيء الذي طغى به وبغى ، وآثر الحياة الدنيا ، وأن يزيله عنه ، أحوج ما يكون إليه .
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ
من عذاب الدنيا
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
، فإن من علم ذلك ، أوجب له الانزجار عن كلّ سبب يوجب العقاب ، ويحرم الثواب . [ 34 - 35 ] يخبر تعالى بما أعده للمتقين الكفر والمعاصي ، من أنواع النعيم والعيش السليم في جوار أكرم الأكرمين ، وأن حكمته تعالى ، لا تقتضي أن يجعل المتقين القانتين لربهم ، المنقادين لأوامره ، المتبعين مراضيه ، كالمجرمين الّذين أوضعوا في معاصيه ، والكفر بآياته ، ومعاندة رسله ، ومحاربه أوليائه . [ 36 ] وأن من ظن أنه يسويهم في الثواب ، فإنه قد أساء الحكم ، وأن حكمه باطل ، ورأيه فاسد . [ 37 - 38 ] وأن المجرمين إذا ادعوا ذلك ، فليس لهم مستند ، لا كتاب فيه يدرسون ويتلون ، أنهم من أهل الجنة ، وأن لهم ما طلبوا وتخيروا . [ 39 ] وليس لهم عند اللّه عهد ويمين بالغة إلى يوم القيامة أن لهم ما يحكمون وليس لهم شركاء وأعوان على إدراك ما طلبوا ، فإن كان لهم شركاء وأعوان ، فليأتوا بهم ، إن كانوا صادقين . ومن المعلوم أن جميع ذلك منتف ، فليس لهم كتاب ، ولا لهم عهد عند اللّه في النجاة ، ولا لهم شركاء يعينونهم ، فعلم أن دعواهم باطلة فاسدة . [ 40 ] وقوله :
سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ
( 40 ) ، أي : أيهم الكفيل بهذه الدعوى الّتي تبين بطلانها ، فإنه لا يمكن أحدا ، أن يتصدر بها ، ولا يكون زعيما فيها . [ 42 ] أي : إذا كان يوم القيامة ، وانكشف فيه من القلاقل والزلازل والأهوال ، ما لا يدخل تحت الوهم ، وأتى الباري لفصل القضاء بين عباده ، ومجازاتهم ، فكشف عن ساقه الكريمة ، الّتي لا يشبهها شيء ، ورأى الخلائق من جلال اللّه وعظمته ، ما لا يمكن التعبير عنه ، فحينئذ يدعون إلى السجود للّه . فيسجد المؤمنون الّذين كانوا يسجدون للّه ، طوعا واختيارا ، ويذهب الفجار المنافقون ليسجدوا فلا يقدرون على السجود ، وتكون ظهورهم كصياصي البقر ، لا يستطيعون الانحناء . [ 43 ] وهذا الجزاء من جنس عملهم ، فإنهم كانوا يدعون في الدنيا إلى السجود للّه ،