تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1061

مساهمون:

ص١٠٦١

سورة الحاقة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ 1 - 3 ]
الْحَاقَّةُ
( 1 ) من أسماء يوم القيامة ، لأنها تحق وتنزل بالخلق ، وتظهر فيها حقائق الأمور ، ومخبآت الصدور . فعظم تعالى شأنها وفخّمه ، بما كرّره من قوله :
الْحَاقَّةُ ( 1 ) مَا الْحَاقَّةُ ( 2 ) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ
( 3 ) فإن لها شأنا عظيما ، وهولا جسيما . ثمّ ذكر نموذجا من أحوالها الموجودة في الدنيا المشاهدة فيها ، وهو ما أحله من العقوبات البليغة بالأمم العاتية ، فقال : [ 4 ]
كَذَّبَتْ ثَمُودُ
وهم : القبيلة المشهورة ، سكان الحجر ، الّذين أرسل اللّه إليهم رسوله صالحا عليه السّلام ، ينهاهم عما هم عليه من الشرك ، ويأمرهم بالتوحيد ، فردوا دعوته ، وكذبوه ، وكذبوا ما أخبر به من يوم القيامة ، وهي : القارعة الّتي تقرع الخلق بأهوالها . وكذلك عاد الأولى ، سكان حضرموت ، حين بعث اللّه إليهم رسوله هودا عليه الصلاة والسّلام ، يدعوهم إلى عبادة اللّه وحده ، فكذبوه ، وأنكروا ما أخبر به من البعث ، فأهلك اللّه الطائفتين بالهلاك العاجل : [ 5 ]
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ
( 5 ) وهي : الصيحة العظيمة الفظيعة ، الّتي قطعت قلوبهم ، وزهقت لها أرواحهم فأصبحوا موتى ، لا يرى إلا مساكنهم وجثثهم . [ 6 ]
وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ
، أي : قوية شديدة الهبوب ، لها صوت أبلغ من صوت الرعد القاصف ،
عاتِيَةٍ
، أي : عتت على خزانها ، على قول كثير من المفسرين ، أو عتت على عاد ، وزادت على الحد كما هو الصحيح . [ 7 ]
سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً
، أي : نحسا وشرا فظيعا عليهم ، فدمرتهم وأهلكتهم .
فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى
، أي : هلكى موتى ،
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ
، أي : كأنهم جذوع النخل ، الّتي قطعت رءوسها الخاوية ، الساقط بعضها على بعض . [ 8 ]
فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ
( 8 ) ، وهذا استفهام بمعنى النفي المتقرر . [ 9 ] أي : وكذلك غير هاتين الأمتين الطاغيتين ، عاد وثمود ، جاء غيرهم من الطغاة العتاة ، كفرعون مصر ، الذي أرسل اللّه إليه عبده ورسوله ، موسى بن عمران عليه الصلاة والسّلام ، وأراهم من الآيات البينات ، ما تيقنوا بها الحقّ ، ولكن جحدوا وكفروا ، ظلما وعلوا ، وجاء من قبله من المكذبين .
وَالْمُؤْتَفِكاتُ
، أي : قرى قوم لوط ، الجميع جاءوا
بِالْخاطِئَةِ
، أي : بالفعلة الطاغية ، وهو الكفر والتكذيب ، والظلم والمعاندة ، وما انضم إلى ذلك من أنواع المعاصي والفسوق . [ 10 ]
فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ
وهذا اسم جنس ، أي : كل من هؤلاء كذبوا الرسول ، الذي أرسله اللّه إليهم .
فَأَخَذَهُمْ
اللّه جميعا
أَخْذَةً رابِيَةً
، أي : زائدة على الحد والمقدار ، الذي يحصل به هلاكهم . [ 11 ] ومن جملة هؤلاء ، قوم نوح أغرقهم اللّه في الطوفان
لَمَّا طَغَى الْماءُ
على وجه الأرض ، علا على مواضعها الرفيعة . وامتنّ اللّه على الخلق الموجودين بعدهم أن حملهم
فِي الْجارِيَةِ
، وهي السفينة : في أصلاب آبائهم وأمهاتهم ، الّذين نجاهم اللّه . فاحمدوا اللّه واشكروا الذي نجاكم حين أهلك الطاغين ، واعتبروا بآياته الدالة على