تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1062

مساهمون:

ص١٠٦٢
توحيده ، ولهذا قال : [ 12 ]
لِنَجْعَلَها
، أي : الجارية ، والمراد جنسها
تَذْكِرَةً
تذكّركم أول سفينة صنعت ، وما قصتها ، وكيف نجى اللّه عليها من آمن به ، واتبع رسوله ، وأهلك أهل الأرض كلها ، فإن جنس الشيء مذكّر بأصله . وقوله :
وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
أي : يعقلها أولو الألباب ، ويعرفون المقصود منها ووجه الآية بها . وهذا ، بخلاف أهل الإعراض والغفلة ، وأهل البلادة وعدم الفطنة ، فإنهم ليس لهم انتفاع بآيات اللّه ، لعدم وعيهم عن اللّه ، وتفكرهم بآياته . [ 13 ] لما ذكر تعالى ما فعله بالمكذبين لرسله ، وكيف جازاهم ، وعجل لهم العقوبة في الدنيا ، وأن اللّه نجّى الرسل وأتباعهم ، كان هذا مقدمة للجزاء الأخروي ، وتوفية الأعمال كاملة يوم القيامة . فذكر الأمور الهائلة الّتي تقع أمام يوم القيامة ، وأن أول ذلك أنه ينفخ إسرافيل
فِي الصُّورِ
إذا تكاملت الأجساد نابتة .
نَفْخَةٌ واحِدَةٌ
فخرجت الأرواح ، فتدخل كلّ روح في جسدها ، فإذا الناس قيام لرب العالمين . [ 14 ]
وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً
( 14 ) ، أي : فتتت الجبال ، واضمحلت ، وخلطت بالأرض ، ونسفت عليها ، فكان الجميع قاعا صفصفا ، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، هذا ما يصنع بالأرض وما عليها . [ 16 ] وأما ما يصنع بالسماء ، فإنها تضطرب وتمور وتشقق ويتغير لونها ، وتهي بعد تلك الصلابة والقوة العظيمة ، وما ذاك إلا لأمر عظيم أزعجها ، وكرب جسيم هائل ، أوهاها وأضعفها . [ 17 ]
وَالْمَلَكُ
، أي : الملائكة الكرام
عَلى أَرْجائِها
، أي : على جوانب السماء وأركانها ، خاضعين لربهم ، مستكينين لعظمته .
وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ
أملاك في غاية القوة ، إذا أتى للفصل بين العباد والقضاء بينهم ، بعدله وقسطه وفضله . [ 18 ] ولهذا قال :
يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ
على اللّه
لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ
لا من أجسادكم وذواتكم ، ولا من أعمالكم وصفاتكم ، فإن اللّه تعالى عالم الغيب والشهادة . ويحشر العباد حفاة ، عراة ، غرلا ، في أرض مستوية ، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر ، فحينئذ يجازيهم بما عملوا . [ 19 ] ولهذا ذكر كيفية الجزاء ، فقال :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ
إلى :
الْخالِيَةِ
. وهؤلاء هم أهل السعادة ، يعطون كتبهم الّتي فيها أعمالهم الصالحة بأيمانهم ، تمييزا لهم ، وتنويها بشأنهم ، ورفعا لمقدارهم . ويقول أحدهم عند ذلك من الفرح والسرور ، ومحبة أن يطلع الخلق على ما منّ اللّه عليه به من الكرامة :
هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ
، أي : دونكم كتابي ، فاقرءوه ، فإنه يبشر بالجنات ، وأنواع الكرامات ، ومغفرة الذنوب ، وستر العيوب . والذي أوصلني إلى هذه الحال ، ما منّ اللّه به عليّ من الإيمان بالبعث والحساب ، والاستعداد له ، بالممكن من العلم ، ولهذا قال : [ 20 ]
إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ
( 20 ) ، أي : أيقنت ، فالظن - هنا - بمعنى اليقين . [ 21 ]
فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ
( 21 ) ، أي : جامعة لما تشتهيه الأنفس ، وتلذ الأعين ، وقد رضوها ، ولم يختاروا عليها غيرها . [ 22 ]
فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ
( 22 ) المنازل والقصور ، عالية المحل . [ 23 ]
قُطُوفُها دانِيَةٌ
( 23 ) ، أي : ثمرها وجناها ، من أنواع الفواكه ، قريبة ، سهلة التناول على أهلها ، ينالها أهلها ، قياما وقعودا ومتكئين . [ 24 ] ويقول لهم إكراما :
كُلُوا وَاشْرَبُوا
، أي : من كل